تشهد العلاقات المصرية الإريترية خلال السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً من مجرد تعاون ثنائي تقليدي إلى مسار أكثر عمقاً واتساعاً، يتقاطع فيه البعد الاقتصادي مع الاعتبارات الأمنية والجيوسياسية، خاصة في ظل تصاعد التنافس الإقليمي في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر. وتأتي زيارة الرئيس الإريتري أسياس أفورقي إلى القاهرة بدعوة من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في وقت بالغ الحساسية إقليمياً، لتعيد تسليط الضوء على طبيعة هذا التقارب وحدوده، وما إذا كان يعكس شراكة براغماتية ظرفية أم مساراً نحو تحالف استراتيجي متدرج.
وتكتسب هذه الزيارة أهمية إضافية بالنظر إلى الملفات المطروحة على جدول الأعمال، وفي مقدمتها أمن البحر الأحمر، والتنسيق الإقليمي، وتعزيز التعاون الاقتصادي واللوجستي، إلى جانب التوترات المتصاعدة في الإقليم، لا سيما ما يتعلق بالدور الإثيوبي وتوازنات القوة في شرق إفريقيا. ومن هنا، يطرح هذا التقارب تساؤلات جوهرية حول مستقبل الاصطفافات الإقليمية في واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم.
أولاً: زيارة جديدة تعكس تصاعد التقارب السياسي
وصل الرئيس الإريتري أسياس أفورقي إلى القاهرة في زيارة رسمية تستمر ثلاثة أيام، تلبية لدعوة من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في إطار سلسلة من اللقاءات المتبادلة التي تعكس تنامياً ملحوظاً في مستوى العلاقات بين البلدين.
وتأتي الزيارة في سياق إقليمي معقد يشهد تحولات متسارعة في موازين القوى بالقرن الإفريقي والبحر الأحمر، حيث تتقاطع مصالح البلدين حول ملفات الأمن الإقليمي، وحماية الممرات الملاحية، واحتواء التهديدات المشتركة.
ثانياً: مسار متصاعد من التنسيق السياسي والدبلوماسي
شهدت العلاقات بين القاهرة وأسمرة خلال الفترة الماضية زخماً واضحاً تمثل في تبادل زيارات رفيعة المستوى، وتنسيق سياسي متزايد بشأن قضايا إقليمية رئيسية.
فقد تكررت اللقاءات بين قيادتي البلدين خلال عامي 2024 و2025، وتوجت بتفاهمات سياسية ركزت على دعم الاستقرار الإقليمي ورفض التدخلات الخارجية في شؤون دول القرن الإفريقي.
كما برزت ملامح تعاون مؤسسي من خلال تشكيل آليات تنسيق مشتركة، وتعزيز الحوار السياسي حول ملفات البحر الأحمر والأمن الإقليمي.
ثالثاً: الأمن في البحر الأحمر.. نقطة الارتكاز الأساسية
يمثل ملف أمن البحر الأحمر أحد أهم محاور التقارب بين القاهرة وأسمرة، حيث تتقاطع الرؤى حول ضرورة حصر إدارة الممرات البحرية بالدول المشاطئة، ورفض أي ترتيبات خارجية قد تمس سيادة دول الإقليم.
وتعتبر مصر أن استقرار البحر الأحمر جزء لا يتجزأ من أمنها القومي، في حين ترى إريتريا أن موقعها الجغرافي يمنحها دوراً محورياً في أي ترتيبات تتعلق بحوكمة هذا الممر الاستراتيجي.
رابعاً: البعد الاقتصادي والاتفاقيات الثنائية
لم يقتصر التقارب على الجانب السياسي والأمني، بل امتد إلى مجالات اقتصادية وتنموية، شملت قطاعات النقل البحري، والاستثمار، والتجارة، والتعدين، والثروة السمكية.
وتهدف هذه الاتفاقيات إلى تعزيز الربط اللوجستي بين البلدين، وفتح أسواق جديدة أمام الاستثمارات المصرية في إريتريا، بما يسهم في رفع حجم التبادل التجاري وتوسيع قاعدة التعاون الاقتصادي.
خامساً: دوافع استراتيجية.. إثيوبيا في الخلفية
يلعب العامل الإثيوبي دوراً محورياً في دفع هذا التقارب، في ظل التوترات الإقليمية الممتدة بين أديس أبابا وكل من القاهرة وأسمرة.
فمصر تنظر إلى السياسات الإثيوبية، خصوصاً في ملف سد النهضة، باعتبارها تهديداً مباشراً لأمنها المائي، بينما ترى إريتريا في التوسع الإثيوبي تهديداً مباشراً لاستقرارها وسيادتها.
هذا التلاقي في الرؤى دفع البلدين إلى تعزيز التعاون السياسي والأمني، في محاولة لإعادة تشكيل موازين القوى في شرق إفريقيا والحد من النفوذ الإثيوبي.
سادساً: شراكة براغماتية أم نواة لتحالف استراتيجي؟
رغم تصاعد مؤشرات التقارب، لا يزال من المبكر وصف العلاقة بين البلدين بأنها تحالف استراتيجي مكتمل، إذ لا تزال في إطار شراكة براغماتية متقدمة تقوم على المصالح المشتركة والتنسيق المرحلي.
غير أن استمرار التهديدات الإقليمية، وتزايد الحاجة إلى التنسيق الأمني، قد يدفعان بالعلاقة نحو مستويات أعلى من التكامل الاستراتيجي خلال المرحلة المقبلة.
تعكس زيارة الرئيس الإريتري إلى القاهرة مرحلة متقدمة من التقارب السياسي بين البلدين، تتجاوز حدود التعاون التقليدي نحو شراكة ذات أبعاد أمنية وجيوسياسية واضحة. ومع ذلك، فإن مستقبل هذا التقارب سيظل مرهوناً بتطورات البيئة الإقليمية، وبقدرة الطرفين على تحويل المصالح المشتركة إلى إطار استراتيجي مستدام في منطقة تتسم بتقلبات حادة وصراعات نفوذ متشابكة.













