لا تُبالغ في وضوحك لشخصٍ أعمى

منذ 14 دقيقةآخر تحديث :
مصطفى زكريا
مصطفى زكريا

بقلم: مصطفى زكريا

ليست كل محاولات الشرح تنتهي بالفهم، ولا كل درجات الوضوح تُنتج إدراكا ً حقيقيا ً.
ففي حياتنا نصادف أحيانا ً أشخاصا ً لا يعجزون عن الرؤية لأن الحقيقة غامضة، بل لأنهم لا يريدون رؤيتها من الأصل.

هناك فرق كبير بين من لا يفهم لأنه لم تتضح له الصورة بعد،
وبين من يرفض الفهم لأن اعترافه بالحقيقة يهدم صورة بناها لنفسه، أو يهز مصلحة اعتاد عليها، أو يوقظه من وهم مريح عاش بداخله طويلا ً.
ولهذا ؛
قد يستهلك الإنسان طاقته أحيانا ً في محاولات مستمرة للتوضيح والتبرير وإثبات النوايا وكأنه يقف أمام باب مغلق يظن أن مزيدا ً من الطرق سيجعله يُفتح. .. بينما الحقيقة المؤلمة أن بعض الأبواب مغلقة من الداخل بإرادة أصحابها.

في العلاقات الإنسانية، قد تشرح صدقك مرارا ً لمن اعتاد الشك،و وتُظهر إخلاصك لمن لا يرى إلا المصلحة، وتمنح احترامك لمن لا يفهم سوى منطق الاستغلال؛ فتكتشف متأخرا ً أن المشكلة لم تكن في طريقة التعبير، بل في قابلية الطرف الآخر للفهم من الأساس.

وفي العمل أيضا ً، هناك من تشرح له الفكرة عشرات المرات، لا لأنه غير قادر على استيعابها، بل لأنه لا يريد نجاحها إذا لم يكن جزءا ً من صناعتها.
وهناك من يرى الجهد بعينيه، ثم يُصر على تجاهله لأن الاعتراف به يزعجه أكثر مما يريحه.
الأخطر من ذلك ؛ أن الاستمرار في محاولة إقناع من لا يريد أن يفهم قد يدفع الإنسان تدريجيا ً إلى إنهاك نفسه، والدخول في دوائر لا تنتهي من التبرير والدفاع عن أبسط حقوقه ومشاعره ومواقفه.
ومع الوقت ؛ يتحول الوضوح من قيمة نبيلة إلى استنزاف دائم.
ولذلك؛ فالنضج الحقيقي لا يعني أن تشرح نفسك للجميع،
بل أن تُدرك متى يستحق الأمر التوضيح، ومتى يكون الصمت أذكى من ألف شرح.

ليس كل من خالفك أعمى، وليس كل من لم يفهمك سيئ النية،ًلكن بعض البشر لا تنقصهم الكلمات، بل تنقصهم الرغبة الصادقة في الرؤية.

وهنا تصبح الحكمة الحقيقية:
أن تُحافظ على نقائك دون أن تُهدر عمرك في محاولة إقناع من اختار العمى بإرادته.

الاخبار العاجلة