
بقلم: مصطفى زكريا
أصعب ما يواجهه الإنسان ؛؛؛ ليس النهاية نفسها، بل عجزه عن رؤية ما بعدها.
فنحن بطبيعتنا نتعلق بما نعرفه حتى وإن كان يؤلمنا، ونخاف من المجهول حتى وإن كان يحمل لنا النجاة.
ولهذا؛ حين تنتهي علاقة، أو يسقط حلم، أو يرحل شخص، أو تُغلق أمامنا أبواب اعتدنا وجودها؛ نشعر وكأن الحياة نفسها قد توقفت.
فننظر إلى اللحظة باعتبارها “خاتمة”؛ بينما قد تكون في الحقيقة مجرد انتقال هادئ إلى مرحلة أخرى لم تتضح معالمها بعد.
المشكلة أن الإنسان يحكم غالبا ً بمشاعره اللحظية، لا بحكمة الزمن.
فالخسارة اللحظية تُشعرنا أحيانا ً بأن كل شيء قد انتهى.
لكن الحياة أثبتت لكثيرين أن بعض ما بكوا عليه يوما ً .. كان أعظم أسباب نجاتهم لاحقا ً.
فكم من علاقة تمسك بها صاحبها خوفا ً من الوحدة، ثم اكتشف بعد انتهائها أنه كان يفقد نفسه ببطء داخلها.
وكم من فرصة ظن الإنسان أن ضياعها نهاية مستقبله، ثم اكتشف بعد سنوات أنها كانت تُبعده عن طريق لم يكن يناسبه أصلا ً.
وكم من انكسار اعتبره البعض نهاية قوتهم، بينما كان في الحقيقة بداية نضجهم الحقيقي .. فنحن لا نرى الصورة كاملة في لحظة الألم؛ بل نراها مجزأة، مرتبكة، ومغطاة بمشاعر الخوف والارتباك والتعلق.
ولهذا؛ كثيرا ً ما يكتشف الإنسان متأخرا ً أن الزمن لم يكن يعاقبه كما ظن، بل كان يعيد ترتيب حياته بطريقة لم يكن قادرا ً على فهمها وقتها.
وهنا تظهر إحدى أعقد حقائق الحياة؛ أن بعض النهايات لا تأتي لتسلبنا شيئا ً، بل لتُعيدنا إلى أنفسنا.
فالإنسان أحيانا ً يضيع وهو يحاول الحفاظ على أشياء انتهى عمرها داخله، ويستنزف روحه دفاعا ً عن مراحل لم تعد تشبهه، ويقاوم الرحيل فقط لأنه يخشى الفراغ، دون أن يدرك أن بعض الفراغ ضروري ليولد شيء جديد.
ولذلك؛ لا تكون المشكلة دائما ً في النهاية نفسها، بل في إصرارنا على اعتبارها نهاية مطلقة.
فالحياة لا تسير بخط مستقيم،
ولا تمنحنا الإجابات كاملة منذ البداية، بل تتركنا أحيانا ً نغضب ونتألم، ونعترض، ثم نعود بعد سنوات لننظر إلى نفس اللحظة ونقول: “الآن فقط فهمت.”
فكم من باب أُغلق، ففتح للحياة أبوابا ً أخرى أكثر رحمة.
وكم من شخص رحل، فترك خلفه مساحة لسلام لم يكن ممكنا ً في وجوده.
وكم من خسارة ٍ بدت قاسية، ثم تحولت مع الوقت إلى أعظم دروس النضج والوعي.
ولهذا؛
ربما لا تكون الحكمة دائما ً في مقاومة النهايات، بل أحيانا ً في تقبلها، والثقة بأن الحياة ترى ما لا نراه نحن في لحظة الألم.
فما نعتبره اليوم “خاتمة” ؛؛؛
قد يكون في مكان آخر من القدر بداية جديدة تتشكل لنا بصمت.
الحياة لا تغلق بابا ً دائما ً لتؤذيك .. أحيانا ً تغلقه لأنها تعرف أنك كنت ستضيع خلفه.
ولهذا ؛؛؛
ما تراه اليوم خاتمة ً، قد تكتشف يوما ً أنه كان البداية الوحيدة الممكنة لنجاتك.
