
بقلم: حاتم عبد القادر
ما يشغل العالم، في هذه اللحظات، هو موعد توجيه الضربة الأمريكة إلى إيران ونظامها الحاكم، في محاولة ساعية للتخلص من هذا النظام الذي يمثل عبئا على الولايات المتحدة الأمريكية ومصالحها في المنطقة. فالدوائر الأمريكية منهمكة، حاليا، في تقدير الموقف الخاص بضرب إيران ونتائج الضربة ومآلاتها على المنطقة وأمريكا في حال فشلها، وهو احتمال ليس ببعيد.
وما يعزز ويدعم التوجه الأمريكي لضرب إيران وأمنية التخلص من نظامه الحاكم، اندلاع الانتفاضات الشعبية التي انطلقت في الثامن والعشرين من ديسمبر الماضي احتجاجا على سوء الأوضاع الاقتصادية وتراجع أسعار الصرف للريال الإيراني أمام الدولار الأمريكي، وكذلك ارتفاع أسعار المواد الغذائية، ناهيك عن سوء الأجواء المتعلقة بالحريات وحق ممارسة العمل السياسي في ظل كهنوت يحكم بإسم الدين قرابة 47 عاما، وهو أبعد ما يكون عن صحيح الدين الذي يحكم بإسمه.
في الأيام الأخيرة تصاعدت التصريحات الحادة المتبادلة بين “واشنطن” و”طهران”، بدءاً من وعود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للمتظاهرين الإيرانيين بأن دعمه في الطريق إليهم للخلاص من نظام الملالي الحاكم وتوعد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الأخير، بأن الرد سيطال المنطقة بأسرها وسيكون قاسيا.
لقد ظهر منحنى تصريحات “ترامب” بين الصعود والهبوط حول ضرب إيران، حتى استقر على عدم توجيه ضربة لإيران، بعدما ألفغى النظام في إيران تنفيذ الإعدام بحق عدد من المتظاهرين تأسيسا على تهديدات “ترامب”، لتشتعل بورصة التصريحات الأمريكية مرة أخرى حول اعتزام أمريكا توجيه ضربة قاسية إلى إيران، مشددا على ضرورة تغيير النظام الإيراني.
ولعل ما يعزز اقتراب موعد الضربة الأمريكية لإيران، هو التحرك االدؤوب والسريع في الأيام الأخيرة وتوزيع جنود ومعدات عسكرية من طائرات وحاملة طائرات إلى منطقة الشرق الأوسط، فقد هبطت في قاعدة موفق السلطي بالمملكة الأردنية الهاشمية حوالي 35 مقاتلة أمريكية من طراز (F15E)، كما سبق ذلك وصول حاملة الطائرات (أبراهام لينكولين) إلى مضيق مالقا بين ماليزيا وإندونيسيا، علاوة على القواعد الأمريكية المتواجدة في دول الخليج العربي منذ سنوات ليست بالبعيدة.
كل هذا التأهب ينذر باقتراب ضربة أمريكية إلى إيران تطمح إلى أهداف عدة أقصاها استراتيجا هو إسقاط النظام وأدناها القضاء الكامل على البرنامج النووي الإيراني.
ولأن إسقاط النظام ليس بالعملية السهلة التي تتمكن منها أمريكا من خلال ضربة جوية كما فعلت مع الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو أوائل يناير الجاري، فالأمر في مختلف تماما وحساباته معقدة.
ورغم وجود الاحتجاجات الشعبية في إيران والتي تمثل عاملا مساعدا وداعما لأمريكا في هذا الأمر، إلا أن البديل للنظام الحالي غير متوفر بشكل فوري، على الرغم من وجود قوى معارضة إيرانية في الخارج، تجاهد منذ سنوات طويلة للوصول إلى الحكم وهي منظمة “مجاهدي خلق” والتي تتزعمها مريم رجوي، ويتخذون من العاصمة الألبانية “تيرانا” مقرا لهم حيث “معسكر أشرف 3”.
كما ظهر، مؤخرا على الساحة، رضا بهلوي، ابن شاه إيران الراحل محمد رضا بهلوي، الذي أطاحت به الثورة الإسلامية بقيادة آية الله روح الله الخميني في عام 1979، ولم يخفي دعمه من أمريكا ودولة الاحتلال الإسرائيلي للوصول إلى الحكم كحاكم بديل عن نظام الحكم الحالي بقيادة آية الله علي خامنئي. ولكن تراجعت أمريكا بعد أن رأت أن هناك خلافا في الداخل الإيراني على “بهلوي”، ما يزيد من استمرار الفوضى في إيران وانفلات الأمور الأمنية، كذلك عدم ضبط الحدود مع الدول المجاورة مما يفتح بابا للتوتر وعدم الاستقرار في ظل شغور الحكم.
وما زاد من تأجيل القرار الأمريكي بضرب إيران هي الضغوط الدولية والإقليمية التي تعرض “ترامب” حول الأمر، فقد كان هناك وساطة من الرئيس الروسي فيلاديمير بوتين والرئيس الصيني شي جين بينج، كما تدخل قادة دول الخليج العربي (السعودية، عُمان، قطر)، حيث أن توجيه ضربة أمريكية بحسابات استراتيجة وأكثر عمقا عن تلك التي تلقتها إيران في يونيو 2025، قد تشعل المنطقة بأسرها، وقد تدفع إيران إلى التهور، ويلقى الجميع نفسه (مضطرا) في أتون حرب إقليمية لا يستطع أحد حساب نتائجها أو كيفية ضبط نتائجها وأهدافها.
أيضا، تدرك أمريكا، جيدا ، مدى التهديد الاستراتيجي من قبل إيران ضد مصالحها في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما أعلنه، مؤخرا، وبصريح العبارة، الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، أن إيران ستشعل المنطقة بأسرها حال عزمت أمريكا توجيه ضربة لها. وربما كان تأجيل “ترامب” لقرار الضربة مراعيا لهذا البعد، وأن أبرز حلفاء أمريكا في المنطقة الذين ستلحق بهم أضرار الضربة يحاولون إثناء “ترامب” عن قراره، حيث الأضرار الاقتصادية التي ستشعل أسواق النفط، والإنسانية التي تتمثل في هجرة آلاف الإيرانين الفارين من نيران الحرب إلى الدول المجاورة، وتضاف أزمة جديدة إلى الأزمات الإنسانية في العالم.
طاولة بحث القرار في الدوائر الأمريكية عاكفة على تقدير الموقف لاتخاذ القرار النهائي، وإن كان “ترامب” قادرا على اتخاذه منفردا، إلا أن التداعيات وخيمة وليست سهلة، و”ترامب” يدرك ذلك جيدا.
وبالرغم من كل الحسابات، فإن فرصة إسقاط النظام الإيراني في تلك المرحلة قد تكون سانحة وأفضل من فرص تكررت في الماضي، فعلى المستوى الداخلي، فإن الاحتجاجات الشعبية هذه المرة تعد الأكبر والأوسع في تاريخ الاحتجاجات ضد نظام الملالي منذ الثورة الإيرانية، خصوصا مع تعاقب الأجيال وظهور جيل جديد يطمح إلى حياة مدنية وأكثر تقدما علميا وثقافيا وفنيا من تلك الحياة القمعية والقهرية التي يفرضها نظام الملالي، وإسكاته الألسنة والأرواح، فمعروف أن إيران من أعلى دول العالم تنفيذا لحكم الإعدام ضد مخالفيها من السياسيين والمعارضين لها.
حتى المعارضة الموجودة في إيران، هبي معارضة من رحم النظام، وتعرف بـ”تيار الإصلاحيين”، وهو تيار يدعو الإصلاح في بعض ملامح إدارة الحياة في الدولة ولكن بنفس العقلية الملالية الحاكمة.
وخارجيا، هناك رغبة جامحة من أمريكا وحلفائها في إسقاط النظام الإيراني الحالي واستبداله بنظام مدني قريب من أمريكا ويدخل إلى دائرة الخادمين للمصالح الأمريكية في المنطقة. أيضا، فإن قوى المعارضة الإيرانية (المقاومة الإيرانية) التي تتزعمها مريم رجوي تضغط بكل قواها وتساند الداخل الإيراني وتشحذ هممه وبخاصة فئات الشباب، وتدعم كل الخيارات الرامية لإسقاط هذا النظام سواء داخليا أو خارجيا، فلا بديل في فكرهم وعقيدتهم إلا “حتمية السقوط” لنظام الملالي.
لقد اكتوى الشعب الإيراني منذ مجئ حكم الخميني عام 1979 عائدا من منفاه في باريس لقيادة الثورة الإسلامية، والعمل على تنفيذ مفهوم “تصدير الثورة” إلى دول المنطقة بهدف السيطرة والنفوذ وتحقيق حلمهم عودة الإمبراطورية الفارسية القديمة.
وخلال رحلة حكم رجال الدين الشيعي لإيران تم إعدام الآلاف من السياسيين بدون محاكمات أو وجه حق، وكان الرئيس الراحل إبراهيم رئيسي من تولى ما عرف بـ”لجنة الموت” التي نفذت واحدة من أقسى المذابح للسياسيين في العالم في عام 1988، فقد أشرف “رئيسي” على إعدام حوالي 30 ألف سجين في تلك المذبحة بحسب إحصائيات “مجاهدي خلق”.
سقوط “نظام الملالي” حتمية يريدها محتجو الداخل، ومعارضو الخارج، وقوى دولية وإقليمية تبحث عن نظام إيراني يقوم على التعاون والمصالح المشتركة، لا على السيطرة والنفوذ والانشغال في نشر الوكلاء والسعي لتحقيق أحلام قديمة وبعيدة.
