المصلوب على جلجلة الجنوب

5 أبريل 2026آخر تحديث :
جوزف الهاشم
جوزف الهاشم

بقلم: جوزف الهاشم

عهدي معك في كلّ عام أنْ يكون بيني وبينك كلام في عيد قيامتك … وأخشى هذا العام ألاَّ تصِلَ رسالتي إلى سمائك فقد تتعرّض لقصف المسيّرات في سماء لبنان .
وإنّني اليوم ، لكثرة ما ارُتِكبَ من الخطايا الفواحش على الأرض ، سأعترف عن خطاياي مباشرة لك أنتَ ، وليس لرجال الدين ، لأنّ هناك رجال دين يرتكبون الخطايا ولا يعترفون .
أتشخّصك مصلوباً ترتدي ثوب النزيف ، ورأسك مدمَّى بإكليل الشوك ..
وحدَها أمُّـك تنتحب تفجُّعاً عليك ، ولا أرى معها إلاَّ مريم المجدلية تحت الصليب تتساقط عليهما قطرات الدم من راحتيك والقدمين كمثل وقْـعِ المسامير .
أمّا الذين أقمتَهُـمْ من الموت ، والأبرص والأعمى والأعرج الذين شفيت ، فقد ساروا في موكب الآلام متنكرين خلف سمعان القيرواني الذي ساعدك على حمل الصليب .
وأنا … أنا وهو الذي أنا … جعلتُ من بيت صلاتك مغارةً للصوص ولم أحمل سوطك لأجلد بـِه نفسي …
وأنا الذي هو ، بعتُكَ بثلاثين من الفضّة ، وبعد هول الجريمة لم أشنقْ نفسي …
وأنا ، من استقبلك في أورشليم بسعُفِ النخلِ والزيتون ، ثمّ ساهمتُ في سوقِك مضرّجاً إلى الجلجة …
وأنا سمعان الذي أنقذتني من البرَص ورفضت أن أعترف بنبوّتك …
أنا كنت من الجماهير التي طالبت بيلاطس باتّهامك وتبرئـة اللصّ فكنتُ اللصَّ المصلوب إلى شمالك على الصليب ، ولستُ الذي وعدتَـهُ على يمينك بأن يكون معك في الفردوس .
وأنا لم أُعـطِ ما لقيصر لقيصر وما للهِ للّه ، بل أعطيت ما لقيصر لقيصر وما لله لقيصر …
أنتَ غسلْتَ أرجلَ تلاميذك من أجل أن يغسل بعضُهُـمْ أرجلَ بعض … ونحن حملنا الأجراس الجنائزية في أرجلنا لتُطلقَ أصواتَ الموت ولم نغسل عنها الدماء .
وأنت ، في عرس قانا أتخَمْتَنـا شبعاً من الخبز والسمك ، ولم نكسرِ الخبز للجائع كما أوصيتنا ، بل كسرنا يـدَ الجائع لنسلب منه الخبز ، ولـمَّا ارتوينا من الخمر ، أصبح العرس مأتماً وأصبحنا شهداء في مجزرة قانا .
وأنا انطلقتُ بعدك في البريّـة ولم أحملْ سيفاً ، فأصبحت فريسة تُرمى للذئاب في ساحة روما ، ومن ساحة روما إلى سائر الساحات الدموية .
ولأنني لـمْ أتبعك على طريق الحق والحياة …
فإذا أنا مسيحٌ ويهوذا …
مؤمنٌ وكافر …
صَالبٌ ومصلوب …
قاتلٌ وقتيل …
ذئبٌ وإنسان …
وأنا مشيتُ في الجنوب على الطريق التي باركَتْها قدماك : من صيدا ، إلى صور ، إلى النبطية والقرى السبع والجليل ، فإذا أنا أسير على طريق الجلجلة ، لأننا في جلجلة الجنوب قد ساهمنا أيضاً مع اليهود في صلبك.

*كاتب المقال: وزير لبناني سابق.

الاخبار العاجلة