مضيق هرمز.. ومهلة الـ 48 ساعة

23 مارس 2026آخر تحديث :
مصطفى زكريا
مصطفى زكريا

بقلم: لواء مصطفى زكريا

لم يعد الصراع الدائر في المنطقة مجرد مواجهة عسكرية تقليدية بين أطراف متصارعة، بل بدأ يتحول تدريجيًا إلى صراع من نوع أكثر خطورة وتعقيدا ً .. صراع على “شريان العالم” ذاته.

فمضيق هرمز، ذلك الممر البحري الضيق ظاهريا ً، ليس مجرد نقطة على الخريطة، بل هو أحد أهم مفاتيح الاقتصاد العالمي، حيث يمر عبره ما يقرب من خمس تجارة النفط العالمية. وبالتالي، فإن أي تهديد له لا يُقرأ في سياق إقليمي فقط، بل في إطار توازنات دولية شديدة الحساسية.
ما شهدناه خلال الساعات الأخيرة من إنذار أمريكي مباشر لإيران، يقابله تهديد إيراني باستهداف منشآت الطاقة، يكشف بوضوح أن المعركة لم تعد تدور حول من يضرب من، بل حول من يملك القدرة على التأثير في “قواعد اللعبة الاقتصادية العالمية”.
وهنا تتغير طبيعة الصراع بالكامل ؛ ففي الحروب التقليدية، يكون الهدف هو تحقيق مكاسب ميدانية أو سياسية .. أما في هذا النموذج الجديد، فإن الهدف يصبح الضغط على الاقتصاد العالمي نفسه، عبر تهديد مصادر الطاقة، ورفع تكلفة الاستقرار، وإجبار الأطراف الدولية على إعادة حساباتها.

إيران تدرك جيدا ً أنها لا تمتلك تفوقا ً عسكريا ً تقليديا ً يوازي خصومها، لكنها تمتلك ورقة بالغة التأثير ، وهو موقعها الجغرافي وقدرتها على تهديد مضيق هرمز.
وفي المقابل، تدرك الولايات المتحدة أن أي تعطيل لهذا الممر الحيوي سيعني قفزة هائلة في أسعار الطاقة، وانعكاسات اقتصادية قد تمتد إلى الداخل الأمريكي نفسه، فضلا ً عن أوروبا التي تقف بالفعل على حافة أزمة طاقة جديدة.
وبين هذا وذاك، تقف دول الخليج في موقع شديد الحساسية ؛ فهي ليست طرفا ً مباشرا ً في المواجهة، لكنها قد تتحول إلى ساحة لها، إذا ما تم استهداف منشآت النفط أو خطوط الإمداد، وهو سيناريو يحمل تداعيات تتجاوز المنطقة إلى الاقتصاد العالمي بأسره.

ما يحدث الآن يمكن وصفه بأنه انتقال من “حرب عسكرية” إلى “حرب ضغط اقتصادي شامل”.
حرب لا تُقاس بعدد الصواريخ فقط، بل بقدرة كل طرف على التأثير في أسواق الطاقة، وفي ثقة المستثمرين، وفي استقرار سلاسل الإمداد العالمية.

وهنا تظهر نقطة في غاية الأهمية .. حيث لم يعد العالم يحتمل صدمة طاقة جديدة بحجم السبعينيات، خاصة في ظل أزمات متراكمة بدأت من جائحة كورونا، مرورا ً بحرب أوكرانيا، وصولا ً إلى التوترات الحالية .. وأي انفجار في هذا الملف قد يدفع الاقتصاد العالمي إلى مرحلة أكثر هشاشة ً واضطرابا ً.

لكن الأخطر من ذلك، أن هذا النوع من الصراعات يرفع احتمالات “سوء التقدير”.
فقرار واحد بإغلاق المضيق، أو ضربة تستهدف منشأة حيوية، قد لا يكون قابلاً للاحتواء بسهولة، وقد يفتح الباب أمام سلسلة من ردود الفعل المتسارعة التي يصعب السيطرة عليها.
وفي هذا السياق، يصبح السؤال الحقيقي ليس من سينتصر عسكريا ً ؟
بل: من يستطيع الصمود اقتصاديا ً في معركة طويلة تتجاوز حدود الميدان؟

إن مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر مائي، بل أصبح أداة ضغط استراتيجية، وورقة تفاوض، وربما مفتاحا ً لإعادة تشكيل موازين القوى الاقتصادية عالميا ً.

وفي ظل هذا المشهد المتسارع، تبرز مهلة الـ 48 ساعة التي أعلنتها الولايات المتحدة كأحد أخطر مفاصل الأزمة، خاصة مع انقضاء نصفها بالفعل دون مؤشرات حاسمة على تراجع إيراني واضح .. وفي المقابل، جاء التهديد الإيراني باستهداف منشآت الطاقة في الخليج ليغلق دائرة التصعيد، ويؤكد أن أي تحرك أمريكي لن يظل محصورا ً في نطاقه الجغرافي، بل سيمتد ليطال شريان الطاقة العالمي بأكمله.
وهنا لا يعود السؤال متعلقا ً بقرار الضربة في حد ذاته، بل بتداعيات ما بعدها ؛ فتنفيذ تهديد أمريكي، حتى وإن جاء محدودا ً، قد يفتح الباب أمام رد إيراني محسوب لكنه مؤثر، وهو ما يضع المنطقة على حافة سلسلة من ردود الفعل المتبادلة التي يصعب احتواؤها سريعا ً.

وتقدير الموقف؛ أن السيناريو الأقرب خلال الساعات القادمة يتمثل في تنفيذ ضربة أمريكية محدودة تستهدف تثبيت الهيبة دون توسيع نطاق الحرب، يقابلها رد إيراني محسوب يهدف إلى إحداث أثر دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة .. إلا أن خطورة هذا المسار تكمن في أنه يظل قابلا ً للانفلات مع أول خطأ في التقدير، ما قد ينقل الصراع من مرحلة “الرسائل المتبادلة” إلى مرحلة “التأثير المباشر على أسواق الطاقة”.
ومن ثم، فإن الساعات المتبقية من المهلة الأمريكية لا تمثل مجرد إطار زمني، بل تمثل اختبارا ً فعليا ً لقدرة الأطراف على إدارة الصراع دون أن يتحول إلى أزمة طاقة عالمية مفتوحة .. وهي لحظة قد تحدد ليس فقط مسار المواجهة، بل شكل التوازنات الاقتصادية والسياسية في المنطقة والعالم خلال المرحلة القادمة.

الاخبار العاجلة