
بقلم: د. وجدي صادق
في هذا الوطن، لا شيء يهطل فجأة. كل شيء يُمهَّد له، يُلمَّع، ويُبرَّر، ثم حين تقع الفاجعة يقولون لنا: لم نكن نعلم. ولو كانت الحقيقة تنوي المطر فعلاً، لكانت غيّمت. نعيش في زمن الوعود المؤجَّلة، حيث الغيوم مصطنعة، والمطر كذبة موسمية.
يُكثرون من الكلام عن الإصلاح، عن الإنقاذ، عن “المرحلة القادمة”، لكن السماء تبقى صافية حدّ الوقاحة، والشمس تحرق ظهور الفقراء وحدهم. أما من في الأعلى، فلديهم مظلات من نفوذ، وأقبية من إمتيازات، وخزائن لا يدخلها الجفاف «لو بدها تشتّي، كانت غيّمت» ليست مثلاً عابراً، بل تشخيص دقيق لحالة سياسية كاملة. حالة تُدار بالضجيج بدل الفعل، وبالتصريحات بدل القرارات، وبالمؤتمرات بدل المحاسبة. كل شيء يُقال كي لا يحدث شيء.
يطلّ المسؤول على الناس كما يطلّ المذيع على نشرة طقس فاسدة؛، المنخفض قادم… ويمضي الشتاء بلا قطرة، ويهاجر الفلاح، ويُقفل الدكان، ويُدفن الحلم تحت غبار الإنتظار. الغريب أنّهم يغضبون إن شكك الناس.
كيف لا نشكّ، والسماء نفسها لا تصدّقكم؟ كيف نؤمن بمطر لم تسبقه غيمة، ولا برق، ولا حتى نسمة تغيير؟ في هذا البلد، الغيم لا يتكوّن إلا فوق رؤوس البسطاء؛ غيم فقر، غيم قهر، غيم هجرة. أما سماء القرار، فهي صافية، محجوزة لكبار القوم، لا تمطر إلّا صفقات، ولا تهطل إلا حصصاً.
نحن لا نطلب المستحيل. نطلب فقط أن تتطابق الغيوم مع الوعود، وأن يكون للمطر أثر، لا أن يكون مجرد إستعارة في خطاب. نريد سماءً صافية صادقة، لا مسرحية مناخية تُعرض كلما إشتد الغضب الشعبي. فكفّوا عن إقناعنا أن الشتاء قريب، إن لم تكونوا مستعدين لترك الغيم يتكوّن. لأننا تعلمنا، بالتجربة والخذلان، أنّه.
*كاتب المقال: إعلامي لبناني.
