الواقع الحالي للانسداد السياسي في العراق

1 مارس 2026آخر تحديث :
عامر عبد الجبار
عامر عبد الجبار

بقلم: عامر عبدالجبار إسماعيل

(1)

تُكرر علينا العملية السياسية في العراق حالة الانسداد السياسي المركّب، وبشكل بدأ يتجاوز النمطية التقليدية لسوء إدارة الدولة ووصولها لمستوى الشلل المؤسسي المزمن وخطأ عمليات صنع قرارات الدولة، ضمن حلقة مغلقة تبدأ بتداخل الأزمات السياسية المتراكمة والمعززة بالثغرات الدستورية، مروراً بالاختلالات الأمنية التي جرت خلال العقدين الماضيين، وانتقالاً الى سوء الإدارة الاقتصادية للدولة واعتمادها الشامل على (مبدأ الريع والجباية)، وانتهاءً باتخاذ القرارات الحكومية الارتجالية الصادمة وغير المعتمدة على العلم والاحترافية، بل وحتى افتقادها المنطق البسيط المجرد، لتعود بنا الى تداخل الأزمات السياسية وتزيد من تراكم سلبياتها ونتائجها، وهو ما جعل العراق من الدولة الأكثر مواردَ على مستوى العالم الى الدولة الأسوأ إدارةّ على مستوى العالم (مع شديد الأسف) وهو الموقف الذي لا يستحقه العراق وشعبه.

إن الاستحقاقات الانتخابية في العراق تواجه أزمات الواقع السياسي المختل و المنعدم التوازن والناتج عن الانسدادات السياسية (الدائمية منها والمرحلية) والتي أضحت طابعاً تقليدياً للممارسة السياسية في العراق، بل تحول ذلك الى القاعدة وليس الاستثناء. فالاستحقاقات الانتخابية ليس مجرد عمليات اقتراع شكلي يقوم بها عدد من مواطني الدولة، بل ممارسة لتحديد قدرة الدولة على إدارة مشروعيتها السياسية الداخلية والخارجية، وإن أي إدارة خاطئة لهذه الممارسة سواء من ناحية التطبيق او التعامل مع نتائجها ستقود بالضرورة الى مراحل مفصلية نهاياتها انسداد سياسي وكوارث اقتصادية.

ومع كل ما سبق ذكره، يعاني العراق من أخطر أزمتين وجوديتين في عصره الحالي، وهما أزمتا المال والماء. أحداهما أن أصابت دولة ما قد تعيدها لنقطة الصفر.

(2)

الأزمة المالية

ورغم كل هذه الأزمات السياسية والإدارية والمالية والمائية ما زالت الاطراف السياسية في العراق لا تنظر للواقع العراقي الا بنظرة المغنم الآني لمصالحها الضيقة، من دون الالتفات لصالح الوطن أو مصلحة المواطن، وهو أساس وجود العملية السياسية، بل أساس وجود الأحزاب السياسية التي أدعت خدمته.

وإذا ما عملنا على تعريف الأزمات الحالية، فليكن حديثنا واضحاً للجميع ولمنع اختلاط الفهم على المتلقي ونمنع التلاعب باستخدام التبريرات من المستفيدين وأعوانهم بالباطل، علينا أن نبدأ بتحديد التعريف العلمي لكل أزمة ذكرت أعلاه ببساطة وإيجاز، فالتعريف الموجز لحالة الانسداد السياسي (حالة عجز هيكلي في النظام السياسي تمنع إنتاج السلطة أو اتخاذ القرار نتيجة توازنات متصارعة أو مؤسسات غير قادرة على الحسم) وبمعنى أبسط (حالة تصل فيها العملية السياسية إلى طريق مسدود، بحيث تعجز القوى السياسية عن اتخاذ قرارات حاسمة أو تشكيل حكومات أو تمرير قوانين مهمة بسبب الصراع أو اختلال في التوازنات).

وتعريف الأزمة المالية (هي حالة اضطراب حاد في النظام المالي تؤدي الى اختلال قدرة الأفراد أو الشركات أو الدولة على الإيفاء بالتزاماتها المالية، وغالباً ما تترافق مع نقص السيولة، ارتفاع الديون، أو انهيار الثقة بالأسواق أو بالممارسات المالية). وبمعنى أبسط (الأزمة المالية تعني حالة تتوقف فيها الأموال عن التدفق بشكل طبيعي داخل اقتصاد ما).

اما تعريف الأزمة المائية (هي حالة نقص حاد أو متزايد في الموارد المائية المتاحة مقارنة بالطلب عليها، بما يؤدي الى تهديد الأمن الانساني والغذائي، والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والسيادي للدولة) وبمعنى أبسط (عندما يصبح الماء أقل من أن يلبي حاجات الناس والاقتصاد والبيئة).

في حين نكون الأزمة المالية هي ما يعاني منه العراق وعلى وجه الخصوص المواطن العراقي ناتج عن عجز الدولة وحكوماتها المتعاقبة من القدرة على تمويل نفقاتها، والخطورة تكمن في الأزمة المالية العراقية هي تعدد مسبباتها والتي نحاول ايجازها بالآتي: (أزمة سيولة ناتجة عن نقص نقدي مؤقت، وأزمة ديون ناتجة عن تراكم الديون السيادية وخاصة وتعثرات الادارة المالية لمؤسسات الدولة والقطاع الخاص والتي تؤشر للوصول لحالات الافلاس المالي، وأزمة مصرفية ناتجة عن سوء السياسات النقدية والمالية والادارية لمؤسسات المصارف والصيرفة وعدم وجود عادات مصرفية صحيحة قامت بترسيخها الدولة خلال السنوات الماضية وهو خلل استراتيجي ينم عن فقدان القدرة على إدارة الدولة بالمعنى الحقيقي والصورة الصحيحة والواجب المفروض بديهياً على مسؤولي الدولة، أزمة إدارة العملة الوطنية وتعرض الدينار العراقي للانخفاض سعر صرفه مقابل العملات الأخرى مع تآكل احتياطيات النقد الأجنبي وانخفاض أقيامها (القوة الشرائية) جراء الاكتناز الذي لا يمكن أن نصفه الا بـ (الاكتناز الغبي) وهو كناية عن جمع وحبس الأموال من دون إدخالها في عمليات اقتصادية منتجة مقابل صعود اسعار المعادن الثمينة كمخزن بديل لقيمة الثروة عالمياً.

وبالرغم من كل ما ذكر من مسببات ووجود أسباب أخرى لا يمكن ايجازها في كلمتنا هذه الان، الا إن الحلول الحكومية تتجه نحو معاقبة المواطن وتحميله وزر سوء إدارة الدولة وفساد المنتفعين منها.

(3)

الأزمة المائية

بشكل عام يتجه توصيف الأزمات المائية باعتبارها أزمة وجود فالماء هو أصل الحياة، وتشترك الأزمة المائية في العراق بالأزمة المالية بتعدد مسبباتها والتي نحاول ايجازها بالاتي:

(أزمة الندرة المطلقة) وتشمل الانخفاض الفعلي للموارد المائية من جفاف وانخفاض مناسيب المياه والانهار والمياه الجوفية، وأزمة الندرة النسبية وتشمل تجاوز الطلب على المياه أكبر من العرض المتاح من الكميات جراء النمو السكاني وتعدد جهات الاستخدام بمختلف القطاعات زراعية صناعية خدمية الخ، يرادف ذلك أزمة إدارة المياه وتشمل انعدام التخطيط المائي وسوء التوزيع والفساد الإداري، وأزمة جودة المياه وتشمل ارتفاع نسب الملوحة وانخفاض جودة المياه صحياً وعدم ملائمتها للاستخدامات الزراعية والحيوانية. بالإضافة الى ضغوط التغير المناخي كمشكلة اقليمية وعالمية. ويرافق ذلك بمجمله سوء إدارة القطاع الزراعي وانعدام الوعي المؤسسي في إدارة ملفات الدولة الاستراتيجية بالمجمل ولا يقتصر على قطاعات المياه او الأموال أو الصحة أو التعليم وغيرها. ومع معاناة العراق كدولة وشعب من أزمات متعددة ومركّبة في المجالات السياسية والمالية والمائية، يبرز عامل ضاغط وكبير وهو العامل الدولي، حيث لا يخفى على الجميع إن التدخلات الاقليمية والتوجهات الدولية قد وضعت العراق كدولة بأكملها وكافة ملفاتها ما بين مطرقة وسندان مصالح الدول الاخرى، ومما عزز ذلك الموقف الضعيف انعدام ولا نقول سوء، انعدام الإدارة الوطنية القادرة والجادة على تفادي العراق كدولة ووطن وشعب من الفخاخ السياسية والمخاطر الجيو- ستراتيجية التي تهدد وجوده ومستقبل شعبه وحقوق مواطنيه.

وبعد استعراض سريع للمسببات الداخلية للازمات المالية والمائية والسياسية للعراق، نحاول تحديد أهم مسببات المخاطر التي تنشأ جراء العامل الدولي لبناء صورة أكبر ورؤية أشمل ودقة أوضح لأوضاع الدولة العراقية عبر أستعراض سريع.

الأزمة المالية العراقية والعامل الدولي

بتطور مجال التواصل أضحى العالم عبارة عن قرية صغيرة، ونتج عن ذلك بروز تعاملات مالية دولية فورية وعمليات اقتصادية آنية شكل معها الانتقال السريع سواء لايجابيات العمل الاقتصادي الدولي أو سلبيات نتائجه وعدم اقتصاره على دولة واحدة أو مجموعة دول متجاورة أو معتمدة على بعضها في الموارد أو التعاملات، ومع اعتماد العراق اقتصادياً على الريع النفطي كمصدر رئيس يتجاوز الـ 90 % من الموارد المالية للخزينة العامة وتأثر هذا المصدر الرئيس والهائل بتقلب أسعار النفط العالمية والناتجة عن الحروب والصراعات والتنافس السياسي بين دول في قارات أخرى، مما جعل من المصدر المالي الرئيس للعراق عرضة لتأثيرات خارجية متعددة تصل الى درجة الصدمة المالية في مصادر تمويل العراق ودولته.

وبالتوازي مع ذلك يسير الفشل الحكومي غير المعقول في الإدارة المالية العامة، يرافقه انعدام السياسة الاقتصادية والتخبط في السياسة النقدية، ومع كل ذلك فالنتائج المنطقية لهذه السلبية المتراكمة ستكون بل كانت وأصبحت وبالاً على الشعب بدل ان تكون سنداً له وسبباً لرفاهيته كمالك حقيقي لثروات العراق المتعددة والتي يحسدها أغلب دول العالم الأخرى.

الأزمة المائية العراقية والعامل الدولي

جراء وقوع منابع مصادر المياه السطحية خارج حدود العراق جغرافياً ووجودها في دولتي الجوار (تركيا وايران) مع مرور نهر الفرات ضمن الاراضي السورية، أدى ذلك الى قدرة دول الجوار في التحكم بمصادر المياه التي يعتمد عليها العراق بنسبة كبيرة جداً وتكاد تكون مطلقة، مع اقتران الموقف المائي الصعب في العراق انعدام اتفاقيات ملزمة دولياً ومتفق عليها اقليمياً تضمن حقوق العراق المائية، ورافق ذلك وما زال التأثير المناخي من أرتفاع الحرارة وانخفاض معدلات الأمطار، كل ذلك شكل ضغطاً بيئياً كبيراً على العراق بأكمله.

في كل ما سبق يشكل الموقف المائي الدولي تحدياً يتزايد جراءه مخاطر الموقف المائي العراقي، حيث يهدد الشح المائي أكثر من 40 % من سكان العالم والنسبة تميل نحو الارتفاع التدريجي بمرور الزمن. كما يؤشر الطلب العالمي على المياه ارتفاعاً اضافياً يقدره المختصون بنحو يتراوح من 20% الى 30 % بحلول عام 2050. مع نسبة نمو متوقع تتجاوز 20% لسكان العالم بحلول العام ذاته أي 2050، ويسبب من ارتفاع الطلب على المياه سيدفع دول المنبع لزيادة الاعتماد على استراتيجية حصر وتخزين المياه داخلياً وتحويل المياه من حاجة انسانية الى سلاح مستقبلي يستخدم ضمن أدوات الضغط الاستراتيجي على الدول الاخرى مع انشاء صناعات تستخدم المياه ضمن مراحل الانتاج لتحقيق عوائد اقتصادية تدعم تمويل تلك الدول مستقبلاً.

كل ما أوردناه أعلاه يقابله إهمال واضح ومتعمد من الحكومات العراقية لغاية اليوم، حيث لم نجد استراتيجيات واضحة وخطط حقيقية لمواجهة هذا الخطر الوجودي المهدد لحياة الشعب العراقي، بل لا يتعدى الفعل الحكومي التصريحات وادعاءات فارغة عن خطوات عملها في ملف المياه استراتيجياً داخلياً وخارجياً، ولا نعلم كيف تفكر هذه الحكومات وكيف تنظر لما يحدث وسيحدث جراء هذا الفشل الاداري والفني والقيادي لملف خطير جداً كملف المياه.

التقييم النهائي الموجز لحالة العراق اليوم:

تمثل أزمتا المياه والمال في العراق أزمات وجودية وسيادية مركبة ذات تأثير مباشر على استقرار الدولة العراقية وشعبها بأكمله، وإن هذه الأزمات تتأثر بالعوامل الخارجية بشكل كبير لهشاشة بنية الدولة ومنهجية مأسستها التي تراكمت عبر أخطاء جمة طيلة الثلاث وعشرون سنة ماضية، ولا يمكن التغافل عن هذه الأزمات باعتبارها واقع حال مفروضاً أو أزمات طارئة لم يتسبب بها الداخل السياسي العراقي، فالانسداد السياسي الناتج عن سوء إدارة العملية السياسية بعد عام 2003 رغم امكانية اعتباره نتيجة الا انه مسبب سابق لحدوث الأزمات المركبة في العراق.

لقد تجاوزنا حالة الدعوة للتوعية الوطنية ومحاولة التوضيح المجرد للمخاطر التي كنا نخشى حدوثها وحذرنا منها طيلة السنوات الماضية وسعينا لتفادي حدوثها وتجاوز نتائجها الى مرحلة العمل المباشر والجدي لتطبيق الحلول المثلى التي تستهدف انقاذ العراق وشعبه من الويلات الاقتصادية والبيئية التي تنتظره جراء الفساد في إدارة ملفات الدولة والتفريط بحقوق مواطنيها.

الخاتمة:

باستعراضنا السريع لما يتعرض له العراق وشعبه من مهددات ومخاطر، فأزمة المال في العراق ستتحول أزمة دورية ناتجة عن عدم استقرار تسعير الريع النفطي عالمياً كونها مبنية على سلعة ذات طلب دولي متأثر بالأوضاع الجيو- ستراتيجية الدولية، الى أزمة هيكلية جراء تراكم الأخطاء الحكومية غير المبررة فالحلول متوفرة والموارد رغم تعرضها لسوء الإدارة متوفرة ولو بنسب أقل جراء الاستنزاف الحكومي الكارثي لها طيلة 23 سنة مضت. وكذلك ستتحول أزمة المياه الى أزمة وجود انساني، بعد إهمالها حكومياً وعدم احتساب مستوى الخطر الذي تشكلها على العراق وشعبه.

ومن خلال عملنا طيلة السنوات السابقة في الدفاع عن مصالح العراق ومواطنيه، قمنا بوضع برنامج متكامل لانتشال العراق من واقعه الحالي نحو بر الامان مالياً ومائياً، بالرغم من طموحاتنا السابقة وقبل عدة سنوات من تحقيق الأفضل لكن الفساد الاداري و الحكومي والسياسي لم يمنحنا فرصة خدمة وطننا بمستوى طموحنا وحقوق شعبنا المبتلى.

ندعو هنا ومن هذا المنبر كافة الوطنيين في العراق للالتفات الى ما يحيط بالعراق من تهديدات بلغت جديتها ما لا يمكن التغاضي عنه أو اهماله، فالعالم على أعتاب مرحلة جديدة سواء استراتيجياً أو اقتصادياً، وعلى العراق أن يثبت قدمه الآن قبل وقوع ما لا يحدث عقباه حيث لا ينفع ندم ولا تتبقى حلول.

*كاتب المقال: أمين عام تجمع الفاو زاخو ورئيس المعارضة النيابية البنَّاءة في العراق.

الاخبار العاجلة