انتحار على الهواء!!

13 أبريل 2026آخر تحديث :
مصطفى زكريا
مصطفى زكريا

بقلم: لواء مصطفى زكريا

في بعض الحوادث، لا يكون الموت نهاية قصة، بل بداية سؤال.
حادثة سيدة الإسكندرية لم تكن مجرد واقعة انتحار، بل كانت صرخة استغاثة سُمع صداها، ولم يُستجب لها.
هذه السيدة التي فطرت قلوبنا عليها وعلي أطفالها وعلي العديد من أمثالها .. لم تكن مجهولة أو صامتة؛ بل ظهرت عبر عدة برامج فضائية، تحدثت بصوت واضح، وطلبت حماية الدولة لها ولأطفالها، وكشفت عن معاناة ممتدة وصراع قاس ٍ يهدد استقرارها النفسي والمعيشي.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه:
إذا كانت الاستغاثة قد خرجت إلى العلن؛ فلماذا لم يصل إليها الفعل؟
المأساة هنا لا تتوقف عند حدود النهاية، بل تمتد إلى ما قبلها .. إلى إنسانة واجهت ضغوطا ً قاسية، وضيقا ً شديداً، وظروفا ً ربما كانت كفيلة بأن تدفع أي إنسان إلى طرق أبوابٍ لا تليق به، لكنها اختارت طريقا ً آخر؛ أن تتمسك بأخلاقها أن تحافظ على كرامتها، أن تواجه الحاجة دون أن تنكسر قيمها.

وهنا يصبح الألم مضاعفا ً؛ حين لا يُهزم الإنسان من داخله، بل يُترك ليُهزم من الخارج.
حين يصل الإنسان إلى مرحلة يرى فيها أن الموت أهون من الاستمرار، فنحن لا نتحدث عن ضعف؛ بل عن انهيار منظومة كان يفترض أن تحميه.
القانون، في نصوصه، قد يبدو عادلاً ؛ لكن تطبيقه حين ينفصل عن البعد الإنساني، قد يتحول إلى عبء إضافي على من يعانون أصلا ً.

إن سكن الحضانة وتأمين الإعاشة والمعيشة في جوهره ؛ ليس مجرد نزاع قانوني، بل مساحة أمان لأطفال، وركيزة استقرار لأم تحمل عبء الحياة وحدها.
حين يتحول هذا السكن إلى معركة؛ دون وجود آليات حماية موازية، فنحن لا نعيد توزيع الحقوق، بل نعيد إنتاج المعاناة.

الأخطر من ذلك، هو غياب التدخل في التوقيت الصحيح.
كيف تمر حالة بهذا الوضوح عبر الإعلام، دون أن تتحرك جهة مختصة لتقييمها ميدانيا ً؟
كيف تتحول الاستغاثة العلنية إلى مجرد مادة للمشاهدة، لا إلى نقطة بداية للحل؟

المشكلة ليست في نص قانوني واحد ؛ بل في بطء الإجراءات، ضعف التنسيق، وغياب الدعم النفسي والاجتماعي الفعلي.
وهنا، تصبح المأساة قابلة للتكرار.

ما حدث يجب ألا يُقرأ كحادث فردي، بل كاختبار حقيقي لقدرتنا على مراجعة أنفسنا.
نحن بحاجة إلى قانون يوازن، ومؤسسات تتحرك، ونظام يرى الإنسان قبل النص.
لأن أخطر ما يمكن أن نصل إليه هو أن يطلب إنسان الحماية علنا ً ثم يرحل وكأن أحدا ً لم يسمعه.
وربما لم تكن النهاية مجرد فعل يائس ؛ بل كانت رسالة أخيرة في جملة قصيرة، لكنها تختصر كل ما عجزنا عن فهمه:

“خلي بالكم من ولادي”

ليست مجرد كلمات أم !
بل شهادة إدانة لمن سمع ولم يتحرك، ولمن رأى ولم يتدخل، ولمن اعتاد أن يتعامل مع الألم كخبر لا كمسؤولية.

الاخبار العاجلة