تصاعد كراهية المهاجرين في جنوب إفريقيا.. أزمة اقتصادية تتحول إلى تهديد اجتماعي

منذ ساعتينآخر تحديث :
تصاعد كراهية المهاجرين في جنوب إفريقيا.. أزمة اقتصادية تتحول إلى تهديد اجتماعي
روان محمود

تعود قضية كراهية المهاجرين إلى واجهة الأحداث في جنوب إفريقيا، بعد تصاعد دعوات جماعات أهلية لطرد الأجانب غير النظاميين قبل نهاية يونيو المقبل، في مشهد أعاد إلى الأذهان موجات العنف الدامية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية. وتثير هذه التطورات مخاوف متزايدة داخل القارة الإفريقية، خاصة مع تنامي الخطاب الشعبوي الذي يحمل المهاجرين مسؤولية البطالة والجريمة وتراجع الخدمات العامة، في وقت تواجه فيه الدولة الأكثر تصنيعًا في إفريقيا أزمات اقتصادية واجتماعية متفاقمة.

تشهد جنوب إفريقيا موجة جديدة من التوترات المرتبطة بكراهية المهاجرين، وسط تحذيرات من انزلاق الأوضاع إلى أعمال عنف واسعة شبيهة بما حدث في أعوام سابقة، أبرزها أحداث 2008 التي أودت بحياة العشرات وأدت إلى نزوح آلاف الأشخاص.

شرارة الاحتجاجات

بدأت الاحتجاجات الحالية بصورة محدودة خلال الأشهر الماضية، لكنها تصاعدت تدريجيًا مع تنامي الغضب الشعبي بسبب ارتفاع معدلات البطالة والجريمة والضغط المتزايد على الخدمات العامة. وزادت حدة التوتر بعد منع مهاجرين غير نظاميين من الوصول إلى بعض المرافق الصحية، الأمر الذي فتح الباب أمام تحركات شعبية معادية للأجانب.

ويرى محللون أن الأزمة الاقتصادية العميقة دفعت قطاعات واسعة من السكان إلى تحميل المهاجرين مسؤولية تدهور الأوضاع المعيشية، خصوصًا مع استمرار تدفق مهاجرين من دول إفريقية مجاورة تعاني اضطرابات سياسية واقتصادية.

بطالة مرتفعة وضغط اقتصادي

بحسب بيانات وكالة الإحصاء الوطنية، يعيش في جنوب إفريقيا نحو ثلاثة ملايين مهاجر، يمثلون أكثر من 5% من السكان، فيما يأتي معظمهم من دول الجماعة الإنمائية للجنوب الإفريقي “سادك”.

وفي ظل وصول معدل البطالة الرسمي إلى نحو 33%، تتزايد مشاعر العداء تجاه العمال الأجانب الذين يُنظر إليهم كمنافسين مباشرِين للسكان المحليين في سوق العمل، خاصة داخل الأحياء الفقيرة والمناطق المهمشة.

من يقود التحركات؟

تقود الاحتجاجات الحالية جماعات أهلية وتحالفات سياسية ذات خطاب قومي متشدد، تتهم المهاجرين بالوقوف وراء ارتفاع معدلات الجريمة والاستحواذ على فرص العمل.

كما تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دورًا بارزًا في تأجيج الأزمة، عبر تداول معلومات مضللة وخطابات تحريضية ضد المهاجرين، ما يساهم في توسيع دائرة الغضب الشعبي.

ويرى مراقبون أن بعض القوى السياسية تستثمر هذه القضية لكسب التأييد الشعبي قبل الانتخابات البلدية المقبلة، من خلال توجيه الغضب العام نحو المهاجرين بدل التركيز على إخفاقات الحكومة الاقتصادية.

تاريخ متكرر من العنف

ليست هذه المرة الأولى التي تشهد فيها جنوب إفريقيا موجات عداء ضد الأجانب. ففي عام 2008 قُتل 62 شخصًا في أعمال عنف معادية للمهاجرين، بينما تكررت الهجمات في أعوام 2015 و2016 و2019، عندما استهدفت متاجر يملكها أجانب قرب جوهانسبرغ، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى.

ويؤكد منتقدون أن ضعف تطبيق القانون وغياب المحاسبة القانونية أسهما في ترسيخ ثقافة الإفلات من العقاب، ما شجع الجماعات المتشددة على مواصلة أنشطتها ضد المهاجرين.

ردود فعل إفريقية ودولية

أثارت التطورات الأخيرة قلقًا واسعًا داخل القارة الإفريقية، حيث دعت دول مثل كينيا ونيجيريا ومالاوي وزيمبابوي مواطنيها في جنوب إفريقيا إلى توخي الحذر، فيما بدأت بعض الحكومات دراسة إعادة رعاياها.

كما أعربت الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية دولية عن قلقها من تصاعد خطاب الكراهية، وانتقدت ما وصفته بضعف استجابة السلطات الجنوب إفريقية لاحتواء الأزمة.

في المقابل، رفضت حكومة جنوب إفريقيا اتهامات “كراهية الأجانب”، معتبرة أن الهجرة غير النظامية تشكل ضغطًا حقيقيًا على الاقتصاد والخدمات العامة.

صورة جنوب إفريقيا على المحك

ألقت هذه الأحداث بظلالها على صورة جنوب إفريقيا الدولية، التي لطالما قدمت نفسها باعتبارها نموذجًا لحقوق الإنسان والتضامن الإفريقي بعد نهاية نظام الفصل العنصري.

ويرى محللون أن استمرار أعمال العنف والخطاب المعادي للمهاجرين قد يهدد مكانة البلاد السياسية والأخلاقية داخل القارة، ويفتح المجال أمام مزيد من التوترات الاجتماعية والانقسامات الداخلية خلال المرحلة المقبلة.

ومع استمرار الدعوات لطرد المهاجرين غير النظاميين قبل نهاية يونيو، تبقى المخاوف قائمة من تحول الأزمة الاقتصادية إلى انفجار اجتماعي واسع يصعب احتواؤه.

الاخبار العاجلة