
بقلم: المهندس منجد يوسف
عاد المهندس منجد إلى مدينته بعد غيابٍ طويل، يحملها في قلبه كما يحمل العاشق صورة حبيبته الأولى. عاد إليها وفي ذاكرته شوارعها المزدحمة بالحياة، ونيلها الذي كان يعانق المرافئ بهدوء، وأشجارها التي كانت تظلل الأحلام وتمنح المارة شيئاً من الطمأنينة.
كان يشتاق إلى الخرطوم كما يشتاق المسافر إلى وطنه، وكما يشتاق المحب إلى وجهٍ غاب عنه طويلاً.
ابتسامات الناس ببساطتهم ، شارع الخرطوم وشارع النيل والستين وعبيد خاتم وبحري وام درمان والمقرن وجزيره توتي و ………
=========
لكن حين وصل، وجدها مختلفة.
وجد المدينة التي عشقها متعبةً، وقد أثقلت الحرب خطواتها، وترك الحزن بصماته على ملامحها الجميلة. رأى المباني التي كانت تنبض بالحياة وقد غمرها الصمت، ورأى الشوارع التي كانت تضج بالناس وقد لفها السكون. فشعر وكأنه عاد إلى حبيبته ليجدها منهكةً من طول المعاناة، مثقلةً بالذكريات والجراح. متعبه من آثار الحرب اللعينه
وقف المهندس منجد أمامها طويلاً، ثم خاطبها بصوتٍ يملؤه الحنين:
“يا خرطوم، يا أجمل مدن القلب، عدت إليكِ كما يعود العاشق إلى حبيبته بعد فراقٍ طويل. عدت لأراكِ، فإذا بي أجد في عينيكِ حزناً لم أعرفه من قبل، وفي ملامحكِ ألماً لم أعتد رؤيته.”
وسكت قليلاً، وكأنه ينصت إلى أنين المدينة.
ثم قال:
—————-
“أعلم أن الحرب كانت قاسية عليكِ، وأنها سرقت منكِ الكثير. أعلم أنها أخذت من ضحكاتكِ ومن ألوانكِ ومن أيامكِ الجميلة. لكنني أعرفكِ جيداً، وأعرف أن الخرطوم أكبر من الألم، وأقوى من الجراح، وأعمق من كل ما مر بها.”
نظر إلى النيل المتدفق في صبرٍ وأمل، حتي من نواحي كوبري شمبات المتوقف او كوبري الحلفايا الذي يعمل جزييا وهو ينظر في اعماق النيل وقال:
“انظري إلى النيل يا حبيبتي، ما زال يجري رغم كل شيء. لم توقفه العواصف، ولم تكسر إرادته السنون. وأنتِ مثله، ستنهضين من جديد، وستعود الحياة إلى شوارعكِ وأسواقكِ ومدارسكِ وحدائقكِ.”
ستعود اليكي ضحكات الشعب الطيب والاطفال البرءاء
ثم اقترب منها بقلب المحب الذي لا يعرف اليأس، وقال:
“لا تحزني من آثار الجراح على وجهكِ، فالجراح ليست علامة ضعف، بل وسام صمود. والمدن العظيمة لا تُعرف بما أصابها من محن، وإنما بما تملكه من قدرة على النهوض بعد كل سقوط. وأنتِ يا خرطوم مدينة خُلقت لتنهض وتتحدي الصعاب والأزمات .”
كأن المدينة بدأت تستمع إليه، وكأن شيئاً من الضوء عاد إلى عينيها.
فابتسم منجد وقال:
“عدت إليكِ اليوم لا لأرثي ما مضى، بل لأشارككِ بناء ما هو آتٍ. عدت لأقول لكِ إن أبناءكِ ما زالوا أوفياء لكِ، وإنهم سيعودون ليعيدوا إعمار ما تهدم، ويزرعوا الأمل مكان الخوف، والحياة مكان الصمت. سيعودون حاملين الحب والعمل والعزيمة، حتى تستعيدي مكانتكِ التي تستحقينها وحتما سيعود اليكي ابنائك تتشابك اياديهم مع ايادي المصريين
ثم رفع بصره نحو الأفق البعيد وأضاف:
“ثقِ يا خرطوم أن الليل مهما طال، فلا بد للفجر أن يأتي. وأن الحروب مهما خلّفت من ألم، لا تستطيع أن تهزم مدينة يسكنها الأمل، ويحبها أهلها كما نحبكِ نحن.”
ومضى منجد في شوارع مدينته من الخرطوم الي بحري الي ام درمان بخطواتٍ هادئة، بينما كانت الخرطوم، تلك الحبيبة الجريحة، ترفع رأسها نحو السماء شيئاً فشيئاً، وكأنها تستمد من كلماته وعداً جديداً للحياة.
كانت متعبة، نعم… لكنها بدأت تؤمن أن أبناءها سيعودون، وأن الخرطوم ستعود أجمل مما كانت، تماماً كما تعود الحبيبة إلى الابتسام بعد أن يجف آخر دمعٍ في عينيها.
حبيبتي جففي دموعك وانهضي
فما دموعك الا وسام شرف وقوه وعزه
حتما ستعودين اقوي
حتما ستعودين شامخه
تتحدين الصعاب والعقبات
وتتحدين بعزتك وكبريائك الزمن نفسه
حتما ستعود اليكي ابتسامتك وابتسامه ابنائك
وستكونين فخر المدن العربيه
مدينه الصمود
حينما بكت القاهره في النكسه في ٦٧
قالت لها الخرطوم لاتبكي فانتي لستي وحدك
فاطلقت صيحه اللاءات الثلاثه
لاصلح
لا اعتراف
لا تفاوض
ثم كانت معها جمبا الي جمب في حرب ٧٣
وعندما بكت الخرطوم لبت القاهره نداءها واحتضنت ابناءها
وسوف تكون حاضره بقوه
في اعاده اعمارها
ايا خرطوم حتما ستكونين انتي اقوي مافينا
وحتما سوف تحتضنينا مرة أخرى.
*كاتب المقال: رجل أعمال والخبير الاقتصادي في العلاقات التجارية بين مصر والسودان.
