“قرطاج” تودع دورتها الستين بسهرات خالدة في ذاكرة التونسيين والعرب

منذ ساعة واحدةآخر تحديث :
“قرطاج” تودع دورتها الستين بسهرات خالدة في ذاكرة التونسيين والعرب
تونس- صوفية الهمامي:

بسهرة الفنانة اللبنانية ماجدة الرومي أُسدل الستار البارحة 19 أغسطس 2026 على الدورة 60 لمهرجان قرطاج الدولي التي تواصلت على مدى شهر كامل. واكب خلالها عشاق الطرب والموسيقى سلسلة من الحفلات التي مزجت بين الماضي الطربي والحاضر الشبابي اثثتها مجموعة من الأصوات العربية والأجنبية سكنت الوجدان وأعادت للجمهور طعم السهرات التي لا تُمحى من الذاكرة لتؤكد أن قرطاج في دورته الستين لا يزال قادرا على صناعة اللحظة.

وسط هالة من السحر اعتلت ماجدة الرومي الركح الروماني بثبات حضورها البهي وبساطة أناقتها وبصوت مصقول كأنه صلاة شق الفضاء أخضعت العقول والقلوب معا فامتلأ المسرح الروماني سحرا حد الانتشاء كأنه استعاد ذكراه مع حفيدة عليسة فأنصت لها بكل أعمدته وسمائه.
غنت ماجدة الرومي لا بحثا عن الكمال بل لتجدد بكل فرح عهدا قديما بينها وبين جمهور رافقها منذ عقود.

قبل ماجدة الرومي بأيام احتضن المسرح الروماني حفلا مشتركا بين صاحب الموهبة والصوت المتفرد، تلميذ صباح فخري محمد خيري الذي قدم وصلة من القدود الحلبية والفنانة ميادة الحناوي فكانت سهرة الذكريات، فقد استدعت ميادة تاريخا كاملا من الذاكرة وغنت بروح تفوح بهجة رغم ثقل السنين لجمهور حضر بكثافة ليقابل صوتا رافق شبابه وليعيش من جديد زمن الطرب الأصيل.
أداء ميادة حمل آثار الزمن فالصوت لم يعد يملك ذات المرونة التي عرفها جمهورها وغابت عنه بعض السيطرة التي صنعت مجده لكن الاحساس الذي غنت به غطى على كل ذلك.

من فاته الإبهار مع الأخوين مارلون وجاكي جاكسون، فقد عاشه مع مغني الراب التونسي مروان الجبالي المعروف باسم نوردو، الذي فاجأ الجميع بما حباه الله من طاقة وكاريزما.


فقد أثبت أنه فنان متكامل يعرف كيف يأسر الجمهور من الدقيقة الأولى وكيف يسيطر على المسرح بصوته وخفة حركته.
الملفت هو التفاعل الكبير مع جمهور الشباب الذي صفق لصوت الشارع وللكلمات التي لمست وجدانه وللأسلوب الذي سيصل بنوردو إلى العالم.

ومع اختلاف الألوان الموسيقية عاشت قرطاج ليلة الروحانيات مع الموسيقار العالمي سامي يوسف الذي اعتلى ركح المسرح الأثري لأول مرة، مقدما عرضا امتد لأكثر من ساعتين، مزج فيه بين الإبداع الموسيقي والسمو الروحي في رحلة عبر ثقافات وإيقاعات متعددة.
بصوته المميز وتوزيعاته الراقية صدح “مدد” فحول المكان إلى فضاء للتأمل فخفت التصفيق وعلا الصمت وكأن آلاف الحاضرين اتحدوا في لحظة خشوع جماعية امام موسيقى تتجاوز الحدود وتخاطب ما هو إنساني فينا.

كما عاش جمهور قرطاج أمسية دولية استثنائية جمعت تحت سقف واحد ألوان الرقص من مختلف قارات العالم.

كانت رحلة ثقافية قدمت خلالها الفرق المشاركة عروضا راقصة تعكس تراث بلدانها وهويتها عبر حركات وتعبيرات فنية فريدة. وتنوعت الفقرات بين رقصات مستوحاة من الطبيعة والبحر والتاريخ وعروض اخرى اعتمدت على الإيقاعات الشعبية والأزياء التقليدية التي تحاكي قصص الأجداد.
وكان الهدف من السهرة تجاوز حدود اللغة من خلال لغة الجسد والموسيقى، لخلق مساحة للتلاقي والاحتفاء بالتنوع الإنساني.
وقد شكل هذا الحدث فرصة للجمهور للتعرف عن قرب على ثقافات بعيدة ومختلفة ولكنها توحد الشعوب.

وهكذا لم تكن الدورة 60 مجرد روزنامة حفلات كانت احتفاء بستين عاما من الذاكرة الجماعية ستين عاما وركح قرطاج لا يزال السؤال الأهم : أين نلتقي جميعا؟ وأين نصفق معا؟ وأين نستعيد من نحن؟
انتهت الدورة لكن بقيت الإجابة معلقة في صدى التصفيق الأخير أن قرطاج لا يستضيف فنانين فقط بل يصنع لنا ما نرويه بعد ذلك.


وفي الجهة الأخرى من جنوب العاصمة تونس، عاش جمهور مهرجان بوقرنين الدولي في دورته 44 سهرة مختلفة.
سهرة لم تعتمد على الصخب ولا على الاستعراض ولكن اختارت طريق الرقي.
مساء 12 أغسطس الجاري وعلى مسرح الهواء الطلق بحمام الأنف، قدم الموسيقار التونسي عبد الرحمن العيادي عرض “كتارسيـس”.
العرض لم يكن مجرد عنوان، كان فكرة ورحلة موسيقية انطلق فيها العيادي من مفهوم التطهير عند أرسطو ليقدم توليفة بين السيمفونية والجاز والطرب التونسي بأعمال أصلية كتبها بنفسه وسعى من خلالها لمخاطبة الذاكرة وتجديد العهد بين الجمهور والموسيقى.

وكان أبرز ما ميز هذه الرحلة هو الرقي الذي طبع فقراتها وضيوفها.
البداية كانت مع الفنانة الأردنية مكادي النحاس التي حلت ضيفة بحضور ملكي هادئ وبذوق رفيع وصوت دافئ واختيارات غنائية تجمع بين أصالة المشرق وحداثة التوزيع، قدمت مكادي باقة من الأغاني لاقت تفاعلا كبيرا، وتعاملت مع الفرقة الموسيقية باحترام كبير ومع الجمهور بتواضع محبب فبدت على الخشبة كقصيدة تمشي.
مكادي أسرت الحاضرين بأناقتها التونسية وبطريقة أدائها الرصين الذي لا يبحث عن الصخب بل عن الأثر الذي يبقى بعد انتهاء اللحن.

وبعدها اعتلى الركح ضيف الشرف الفنان التونسي المتميز عدنان الشواشي بإطلالة بسيطة وأنيقة تعكس وقار الفنان الذي يعرف قيمة المكان.
عدنان صاحب الصوت الصافي والمتأن هو رفيق التونسيين الذين يكنون له المحبة والتقدير لفنه النابع من تراثهم وثقافتهم. فحين يغني ينصت له الجمهور بخشوع ويرد عليه بتصفيق طويل اعترافا بأن الفن الراقي لا يحتاج إلى ضجيج ليصل إلى القلوب.
وتخللت السهرة قراءات شعرية للشاعر الغنائي الجليدي العويني، إلى جانب مشاركة أصوات واعدة مثل رحاب الصغير وإيمان محمد ومنجية الصفاقسي وفريال التي كانت الاكتشاف المميز لهذه الليلة.

الاخبار العاجلة