حين تصبح القدوة خطرا.. من يحمي أبناءنا؟

منذ ساعتينآخر تحديث :
مصطفى زكريا
مصطفى زكريا

بقلم: مصطفى زكريا

لم أعد أستطيع أن أنظر إلى ما يقدمه بعض نجوم الفن في مصر باعتباره مجرد خروج على المألوف، أو بحث عن “التريند”، أو صيحة جديدة في عالم الأزياء .. فعندما نرى رجلا ً يرتدي ما يشبه بدلة الرقص الشرقي، وآخر يظهر بقميص من الدانتيل الشفاف وحلق في أذنه، ونسمع كلمات وأداء ً وحركات تتعمد التشبه بالنساء، فإننا أمام ظاهرة تستحق أن نتوقف عندها .. لا أن نبحث لها كل مرة عن مبرر جديد.
وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم صراحة عن تشبه الرجال بالنساء وتشبه النساء بالرجال، وثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله:
«لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال».
ونحن نتحدث عن مجتمع إسلامي له قيمه وتقاليده، عُرف فيه الرجل بوقاره والمرأة بأنوثتها، ولم يكن العبث بالفوارق بينهما يوما ً شرطا ً للفن أو الإبداع.
والأمر عندي لا يتعلق بالحياة الخاصة لأي فنان؛ فهي لا تعنيني ولا أبحث فيها، ما يعنيني هو ما يُقدَّم علنا ً إلى ملايين المشاهدين، وبينهم أطفال ومراهقون وشباب يتعلقون بنجومهم ويقلدون ملابسهم وتسريحاتهم وكلماتهم وحركاتهم.
وهنا يصبح السؤال أكثر خطورة: هل نحن أمام تصرفات فردية متفرقة، أم أن تكرار النمط نفسه يستحق أن نتساءل عما إذا كان هناك اتجاه ثقافي أوسع يدفع إلى تغيير صورة الرجل والمرأة داخل مجتمعاتنا المحافظة؟

أنا لا أملك دليلا ً يسمح لي باتهام جهة بعينها، ولا أدعي امتلاكه، لكنني ككاتب رأي، أملك حق السؤال:
هل يمكن أن تكون بعض هذه المظاهر جزءا ً من أدوات الحرب الثقافية الحديثة التي لا تحتاج إلى دبابة تدخل الحدود، وإنما تدخل إلى المجتمع من خلال الشاشة والهاتف والنجم والقدوة؟
وهل كل ما نشاهده مجرد مصادفات، أم أن هناك من أدرك أن تغيير المجتمعات يبدأ أحيانا ً بتغيير ما تعتبره طبيعيا ً ومقبولاً ؟
فالخطر الحقيقي ليس في المشهد الأول، وإنما في التكرار. ما يرفضه المجتمع اليوم قد يثير جدلا ً غدا ً، ثم يصبح مألوفا ً بعد غد، حتى يستيقظ جيل جديد وقد أصبحت لديه معايير مختلفة تماما ً عما عرفه آباؤه.

وهنا أسأل الدولة: أين دورها؟
لدينا في قانون العقوبات المصري جريمة “الفعل الفاضح العلني”، وكان مفهوم العلانية قديما ً يرتبط أساسا ً بالمكان الذي يستطيع الآخرون مشاهدة الفعل فيه .. أما اليوم فقد أصبحت لدينا علانية أخطر ألف مرة؛ فالصورة والفيديو ينتقلان في لحظات من المسرح إلى ملايين الهواتف، وتعيد وسائل الإعلام والمنصات والملصقات الدعائية نشرهما حتى يصل المشهد إلى من لم يبحث عنه أصلا ً.
فإذا كانت الدولة ترى أن حماية الآداب العامة والحياء العام مصلحة تستحق الحماية بالقانون، فكيف تترك المجال مفتوحا ً أمام تأثير أشد خطورة وأوسع انتشارا ً بين النشأ دون مراجعة جادة لمدى قدرة أدواتها التشريعية والتنظيمية الحالية على مواجهة واقع جديد فرضته وسائل التواصل الاجتماعي؟
وليست الدولة وحدها مسؤولة.
أين الأحزاب؟
وأين نواب الشعب وأدواتهم من أسئلة وطلبات إحاطة واستجوابات واقتراحات تشريعية؟
ولماذا لا نسمع أصواتهم إلا بعد أن تتحول المشكلات إلى أزمات؟
ثم نصل إلى الإعلام، وهنا ربما تكون المفارقة أشد إيلاما ً.
فعندما انتقد العميد محمد سمير، المتحدث العسكري الأسبق، مظهر أحمد سعد، استضاف عمرو أديب الفنان في برنامج “الحكاية”، ولم يكن المشهد – في تقديري – مجرد إتاحة حق الرد، وإنما حمل أسلوب الحوار قدرا ً من الاستهجان والاستخفاف برأي الرجل الذي اعترض، بينما ظهرت صورته على الشاشة خلال الحديث عنه.
ومن حق أحمد سعد أن يدافع عن نفسه، ومن حق عمرو أديب أن يختلف مع محمد سمير، ولكن من حقنا أيضا ً أن نسأل: متى أصبح من يعترض على خروج يراه مخالفا ً لقيم مجتمعه، هو الذي يوضع في موضع السخرية والدفاع عن نفسه؟
والأمر بالنسبة لي يثير سؤالا ً إضافيا ً ؛ فبرنامج “الحكاية” مخصص للشأن المصري، لكنه يُبث عبر MBC مصر التابعة لمجموعة إعلامية سعودية، وعمرو أديب يحمل إلى جانب جنسيته المصرية الجنسية السعودية .. وفي تقديري الشخصي ــ وأقوله باعتباره رأيا ً لا معلومة رسمية ــ فإن حصوله على الجنسية السعودية ربما وفر له مظلة أوسع للحركة والتعرض اليومي للشأن الداخلي المصري .. ومن حقي كمواطن وكاتب أن أتساءل عن حدود تأثير أي منبر مملوك من خارج مصر في تشكيل الرأي العام المصري، أيا ً كانت الدولة المالكة له.
لكن المشكلة الأكبر ليست عمرو أديب، ولا أحمد سعد، ولا محمد رمضان، ولا عمرو دياب، ولا غيرهم.
المشكلة أن القدوة لا تحتمل الفراغ؛ حين تتراجع الأسرة، وتضعف المدرسة، ويتوارى العالم والمثقف والرياضي المحترم وصاحب الإنجاز الحقيقي، بينما تفتح الشاشات والمنصات أبوابها ليلا ً ونهارا ً للأكثر إثارة وضجيجا ً، فإن أبناءنا لن يعيشوا بلا قدوة؛ وسيختارون القدوة التي نقدمها نحن أمامهم.
والدولة التي تترك النموذج السيئ يتمدد، ثم تكتفي بعد سنوات بالشكوى من تغير سلوك الشباب، تكون قد وصلت متأخرة .. فحماية المجتمع لا تعني مطاردة الناس في حياتهم الخاصة، ولا مصادرة الفن والإبداع، وإنما تعني أن نعرف أين ينتهي حق الفنان في الاختلاف، وأين تبدأ مسؤولية المجتمع في حماية أطفاله وشبابه وقيمه وهويته.

ويبقى السؤال الذي أخشاه أكثر من كل ما سبق:
هل ما نشاهده مجرد موجة من الابتذال ستنتهي، أم أننا نرى أمام أعيننا عملية بطيئة لإعادة تشكيل ما يعتبره أبناؤنا طبيعيا ً ومقبولا ً .. بينما تقف الدولة والأحزاب والبرلمان والإعلام متفرجين؟

الاخبار العاجلة