سدود إثيوبيا الجديدة.. لا يجوز أن نبدأ من الصفر

منذ ساعتينآخر تحديث :
مصطفى زكريا
مصطفى زكريا
Title 1
List here..
Title 2
List here..

بقلم: مصطفى زكريا

بعد إعلان إثيوبيا عن توجهها لإقامة ثلاثة سدود جديدة على النيل الأزرق، لم يعد السؤال الأهم هو حجم هذه السدود أو قدرتها على توليد الكهرباء، بقدر ما أصبح السؤال الأكثر إلحاحا ً: كيف ستتعامل مصر هذه المرة؟ وهل تبدأ من حيث انتهت تجربة سد النهضة، أم نعيد الرحلة نفسها من جديد؟
فالتوجه الإثيوبي نحو مزيد من السدود على النيل الأزرق أصبح معلنا ً، سواء في الخطط المتداولة للمشروعات الثلاثة أو في الخطاب الإثيوبي الداعي إلى مواصلة بناء سدود كبرى على النهر.
فالتجربة ما زالت أمامنا بكل تفاصيلها؛ سنوات طويلة من المفاوضات والوساطات والتحركات الإقليمية والدولية، بينما كان البناء يتقدم، ثم جاء الملء والتشغيل، حتى أصبح سد النهضة أمرا ً واقعا ً دون الوصول إلى الاتفاق القانوني الملزم الذي طالبت به مصر لتنظيم ملئه وتشغيله.

واللافت أن لغة الحسم المصرية ليست جديدة. ففي مارس 2021 أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي أن مياه مصر خط أحمر، وأن المساس بها قد يؤثر على استقرار المنطقة، في الوقت الذي كانت فيه مصر لا تزال تسعى إلى حل تفاوضي واتفاق قانوني ملزم .. واليوم تعود لغة الحسم مرة أخرى مع تأكيد مصر أنها «لن تسمح» بالإضرار بحقوقها المائية أو فرض سيطرة منفردة على تدفقات النيل.

وهنا لا ينبغي أن يكون السؤال عن قوة العبارة، وإنما عما سيأتي بعدها.
لقد وصل ملف سد النهضة بالفعل إلى مجلس الأمن،وانتهى المجلس في سبتمبر 2021 إلى بيان رئاسي دعا مصر وإثيوبيا والسودان إلى استئناف المفاوضات وصولا ً إلى اتفاق مقبول وملزم بشأن ملء وتشغيل السد، لكنه لم يكن قرارا ً ملزما ً ولم ينشئ آلية تضمن الوصول إلى ذلك الاتفاق أو تنفيذ ما دعا إليه .. وبعد ذلك مضى سد النهضة في طريقه حتى اكتمل دون الاتفاق الذي طالبت به مصر.

ومن هنا فإن مصر لا تبدأ اليوم من الصفر؛ أمامها تجربة كاملة ينبغي أن تصبح نقطة البداية في التعامل مع الخطر الجديد، لا مجرد ذكرى لأزمة سابقة.
ولعل أول ما ينبغي فعله هو البدء الآن في بناء موقف قانوني وسياسي ودبلوماسي متكامل، يستند إلى ما سبق أن انتهى إليه مجلس الأمن، ويعمل منذ البداية على حشد التأييد الدولي للوصول هذه المرة إلى إطار أكثر فاعلية ً وإلزاما ً، ليحكم أي إجراءات جديدة يمكن أن تؤثر في تدفقات النيل إلى دول المصب، ويضع آلية دولية واضحة للمتابعة والتحقق وتبادل البيانات، إلى جانب وسيلة ملزمة لتسوية أي خلاف ينشأ حول التنفيذ.

فالمطلوب ليس حرمان إثيوبيا من حقها في التنمية أو توليد الكهرباء، وإنما ضمان ألا تتحول مشروعات تقام على نهر دولي إلى قدرة منفردة لدولة واحدة على التحكم في مورد تتوقف عليه حياة وأمن دول أخرى.

وهذه المرة يجب أن يسبق القانون والدبلوماسية الخرسانة.
فإذا كانت تجربة سد النهضة قد علمتنا شيئا ً، فهو أن التحرك بعد تقدم البناء يختلف كثيرا ً عن التحرك قبله. وإعلان إثيوبيا نيتها إقامة سدود جديدة يجب أن يكون في حد ذاته كافيا ً لبدء التحرك، دون انتظار وضع حجر أساس أو وصول معدات أو ارتفاع جدار سد جديد حتى نعتبر أن المشكلة قد بدأت.

ولا ينبغي أن يظل هذا الملف محصورا ً داخل الدوائر الحكومية؛ فوضوح المطلب المصري أمام الداخل والخارج جزء من قوة الموقف، خاصة وأن الأمر يتعلق بأحد أخطر ملفات الأمن القومي المصري.

فإثيوبيا أعلنت نيتها، ومصر قالت إنها لن تسمح؛ .. وبين الإعلانين لا ينبغي أن نترك للوقت فرصة أن يصنع واقعا ً جديدا ً.
لقد تعلمنا من سد النهضة أن التحرك بعد تقدم البناء لا يشبه التحرك قبله.
وهذه المرة … لا يجوز أن نبدأ من الصفر، ولا أن نبدأ متأخرين.

الاخبار العاجلة