أعادت احتجاجات نفذها مقاتلون أجانب في العاصمة الليبية طرابلس ملف المرتزقة والقوات الأجنبية إلى صدارة المشهد، بعدما تجمع عدد من المقاتلين السوريين الموالين لتركيا للمطالبة بتسوية أوضاعهم المالية، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً وجددت المطالب الشعبية والسياسية بإنهاء وجود هذه المجموعات وإخراجها من البلاد. وتأتي هذه التطورات في وقت لا تزال فيه ليبيا تواجه انقساماً سياسياً وأمنياً، بينما تعثرت الجهود الرامية إلى إنهاء الوجود العسكري الأجنبي، ليبقى الملف أحد أبرز التحديات أمام استعادة السيادة وبناء مؤسسات عسكرية وأمنية موحدة.
احتجاجات تعيد الملف إلى الواجهة
وتجمع عدد من المقاتلين السوريين الموالين لتركيا، مساء الثلاثاء، أمام كلية ضباط الشرطة في طرابلس، للمطالبة بتسوية أوضاعهم المالية، في تحرك أعاد ملف المقاتلين الأجانب إلى واجهة النقاش الليبي، بعد سنوات من بقائه دون حل نهائي.
ولا تزال سلطات غرب ليبيا تحتفظ بأعداد من المقاتلين السوريين الموالين لتركيا، في حين توجد قوات روسية في مناطق خاضعة لسيطرة القيادة العامة للجيش الوطني شرق وجنوب البلاد، تحت مسمى «الفيلق الأفريقي»، إلى جانب مقاتلين من جنسيات أفريقية.
وأثارت الاحتجاجات دعوات ليبية متجددة بضرورة إنهاء وجود هذه المجموعات، وسط تحذيرات من أن استمرار الملف دون معالجة قد يفاقم التوترات الداخلية ويزيد من تعقيدات المشهد الأمني.
مطالب بإخراج القوات الأجنبية
وقال خالد الغويل، مستشار «اتحاد القبائل للشؤون الخارجية»، إن خروج المقاتلين الأجانب إلى الشوارع للمطالبة بحقوق مالية كشف، على حد وصفه، عن استمرار وجودهم في ليبيا، منتقداً الجهات التي استعانت بهذه العناصر خلال مراحل الصراع.
وحذر الغويل من تصاعد الغضب الشعبي تجاه المقاتلين الأجانب، معتبراً أن استمرار الوضع الحالي ينطوي على مخاطر كبيرة، وداعياً إلى تنفيذ التعهدات الدولية الخاصة بإخراج المرتزقة والقوات الأجنبية من البلاد.
ويرى أن استمرار وجود هذه المجموعات يضع المجتمع الدولي أمام اختبار جديد، خصوصاً في ظل التعهدات التي صدرت خلال المؤتمرات الدولية بشأن إنهاء الوجود العسكري الأجنبي في ليبيا.
لماذا يصعب إخراج المرتزقة؟
وترى الدكتورة رانيا الصيد، العضو المؤسس لـ«التجمع السياسي الوطني فزان»، أن جذور أزمة المقاتلين الأجانب تعود إلى غياب جيش وطني موحد عقب انهيار الدولة، ما دفع الأطراف المتصارعة إلى الاستعانة بقوات جاهزة مقابل المال والسلاح والولاء.
وأوضحت أن المجتمع الليبي بات ينظر إلى الملف من زوايا مختلفة، إلا أن غالبية المواقف تلتقي عند رفض الوجود العسكري الأجنبي باعتباره مساساً بالسيادة الوطنية.
ويتمثل أحد الاتجاهات في رفض وجود المرتزقة باعتباره انتهاكاً للسيادة، بينما يتعامل اتجاه آخر مع القضية بواقعية، معتبراً أن إخراج هذه العناصر بات أكثر صعوبة من استقدامها، في حين يرى اتجاه ثالث أن بعض الجهات الأمنية والعسكرية استفادت من وجود المقاتلين الأجانب، ما يجعل التخلص منهم أكثر تعقيداً.
ملف عالق منذ اتفاق وقف إطلاق النار
واستعانت أطراف الصراع الليبي، خلال الحرب التي اندلعت حول طرابلس عام 2019، بمقاتلين من سوريا وروسيا ودول أفريقية، وظلت أعداد منهم في البلاد بعد توقف المعارك منتصف عام 2020.
ورغم اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في جنيف في 23 أكتوبر 2020، والجهود الدولية المتكررة للمطالبة بخروج القوات الأجنبية والمقاتلين الأجانب، لا يزال الملف عالقاً في ظل الانقسام السياسي والأمني الذي تشهده ليبيا.
ولا توجد أرقام رسمية معلنة بشأن أعداد المقاتلين الأجانب في ليبيا أو رواتبهم، فيما يظل وجودهم محل نقاش متواصل بين الأطراف الليبية والجهات الدولية المعنية بالملف.
السيادة أولاً.. والحل في مؤسسة عسكرية موحدة
وتؤكد التطورات الأخيرة أن قضية المقاتلين الأجانب لم تعد مجرد ملف أمني مؤجل، بل باتت مرتبطة بشكل مباشر بمسألة السيادة ومستقبل الدولة الليبية، خصوصاً مع استمرار الانقسام بين المؤسسات والقوى العسكرية في البلاد.
ويرى سياسيون أن معالجة الملف تتطلب توافقاً ليبياً وإقليمياً ودولياً متزامناً، بالتوازي مع بناء مؤسسة عسكرية وأمنية وطنية موحدة، بما يسمح بإنهاء اعتماد الأطراف المحلية على القوى المسلحة الأجنبية، ويمهد الطريق أمام إخراج المقاتلين الأجانب واستعادة الدولة لقرارها الأمني والعسكري.













