
بقلم: مصطفى زكريا
قد يبدو المشهد بسيطا ً للغاية؛ عود ثقاب اشتعل لثوانٍ، ثم انطفأ، ولم يبق منه سوى رأس أسود متفحم .. وربما لو سُئل أحدنا عما يراه أمامه لأجاب دون تردد: عود احترق وانتهى.
لكن هل هذه هي الصورة كلها؟
فعود الثقاب لم يكن طوال رحلته سوادا ً ورمادا ً؛ لقد أضاء ولو لثوانٍ قليلة، وربما كانت تلك الثواني كافية لأن تكشف شيئا ً غاب في الظلام، أو أن تشعل شمعة ظلت تنير المكان ساعات .. فقِصر العمر لا يعني بالضرورة قِصر الأثر، وبعض الأشياء لا تُقاس بالمدة التي بقيت فيها، وإنما بما تركته خلالها.
ولو صرفنا أعيننا قليلا ً عن الجزء المتفحم، وأمعنا النظر في اللهب نفسه، ربما رأينا مشهدا ً مختلفا ً تماما ً.. فللنار لغة جسد خاصة بها؛ تتمايل وتنحني، ثم تنتصب وتلتف، وتفترق ألسنتها ثم تلتقي، وكأننا أمام مشهد راقص لا تتكرر حركاته مرتين.
وإذا أمعنا النظر أكثر، ربما رأينا في اللهب أشكالا ً وأجسادا ً تتكون للحظات ثم تتلاشى، لتحل محلها أشكال أخرى، وكأن النار ترسم لوحات لا تعيش إلا ثواني.
ثم تأتي الألوان؛ أصفر يمتزج بالبرتقالي، وأحمر يجاور الأزرق، وبينها درجات يصعب أن نحدد أين تبدأ إحداها وأين تنتهي الأخرى .. تناسق غير مألوف في شيء تعلمنا منذ الصغر أن نخشاه، فأصبح من السهل علينا أن نرى خطر النار، وأصعب قليلا ً أن نرى جمالها.
وربما نفعل الشيء نفسه مع الحياة .. نقف أمام تجربة مرت بنا، فننظر إلى ما انتهى منها، ولا نتذكر دائما ً ما أضاءته، نتأمل ما أخذته منا، ولا ننتبه إلى ما تركته فينا، ونحزن لأن لحظة جميلة لم تستمر، وكأن قيمة الأشياء الجميلة مرهونة ببقائها إلى الأبد، مع أن لحظة قصيرة قد تترك في العمر أثرا ً أطول من سنوات.

ليس المقصود أن نتجاهل الجانب المظلم من الأشياء، أو أن ننكر الألم، وإنما أن نتذكر أن ما نراه قد يكون مجرد لحظة من مشهد أكبر .. فالكون من حولنا لا يعرف السكون؛ ليل يعقبه نهار، وفصول تأتي وتمضي، وأجرام تواصل سيرها في مساراتها، وفي التعبير القرآني البديع: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. فالحركة والتبدل من سنن الوجود، بينما نصر نحن أحيانا ً على تثبيت الصورة عند اللحظة التي آلمتنا، وكأن الزمن توقف عندها.
وربما لهذا لا تكون المشكلة دائما ً فيما نراه، وإنما في الزاوية التي ننظر منها؛ فقد تكون أمامنا الصورة كاملة، بكل ما فيها من نور وظلال، لكن أعيننا تستقر على جانب واحد منها، فنمنحه وحده حق رواية الحكاية.
وعود الثقاب البسيط ربما يقول لنا أكثر مما كنا نظن .. فما بقي منه بعد الاحتراق كان أسود بالفعل .. لكن ما حدث أثناء الاحتراق كان ضوءا ً ورقصا ً وألوانا ً.
