فاتورة الحرب.. بعد ارتفاع رسوم قناة بنما.. هل يواجه العالم أزمة ملاحة جديدة؟

منذ ساعة واحدةآخر تحديث :
فاتورة الحرب.. بعد ارتفاع رسوم قناة بنما.. هل يواجه العالم أزمة ملاحة جديدة؟
تقرير- فاطمة خليفة:

لم تعد تداعيات الحرب في الشرق الأوسط تقف عند حدود اضطراب إمدادات الطاقة أو ارتفاع تكلفة تأمين السفن، بعدما بدأت أزمة الملاحة نفسها تنتقل إلى ممرات تجارية بعيدة عن منطقة الصراع. 

 

في قناة بنما، وصلت أسعار الحصول على أولوية العبور خلال أغسطس الجاري إلى مستويات قياسية، بينما امتدت فترات انتظار السفن إلى أكثر من أسبوع، في وقت تدفع فيه اضطرابات مضيق هرمز مزيدًا من السفن إلى البحث عن طرق بديلة.

 

ارتفعت تكلفة العبور في قناة بنما إلى مستويات قياسية في وقت تواجه فيه القناة ضغطًا مزدوجًا من زيادة الطلب على خدماتها بسبب اضطراب الملاحة المرتبط بالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، ومن انخفاض منسوب المياه نتيجة الظروف المناخية.

 

وذكرت تقارير أمريكية أن متوسط أسعار المزادات اليومية لفتحات العبور في قناة بنما بلغ نحو 1.1 مليون دولار خلال أغسطس، بزيادة تتجاوز 16 ضعف مستواه في الفترة نفسها من العام الماضي، بينما وصلت بعض الفتحات إلى نحو 2.5 مليون دولار. 

 

كما أفادت بأن سفينة حاويات دفعت نحو 4 ملايين دولار للحصول على أولوية وتجاوز طابور الانتظار، في واقعة تكشف القيمة المتزايدة للوقت في ظل ازدحام الممر.

 

حرب إيران تعيد توزيع حركة السفن

لم تبدأ أزمة قناة بنما من القناة نفسها، وإنما وصلت إليها مع إعادة شركات الشحن والطاقة ترتيب مساراتها بعد اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر. 

 

قد يدفع إغلاق هرمز أو تراجع الحركة، التجار الآسيويين، خصوصًا في أسواق الطاقة، إلى البحث عن إمدادات من مناطق أخرى، ومن بينها الخليج الأمريكي، وهو ما يزيد الحاجة إلى طرق بحرية تربط الساحل الأمريكي على المحيط الأطلسي بالمحيط الهادئ.

 

وكانت «فايننشال تايمز» قد رصدت في وقت سابق من العام ارتفاع حركة السفن عبر قناة بنما منذ اندلاع الحرب، مع زيادة عمليات العبور اليومية من نحو 34 سفينة قبل الحرب إلى متوسط بلغ 38 سفينة، ووصول بعض الأيام إلى 40 و41 عبورًا. كما ارتفعت إيرادات القناة بنحو 10 إلى 15% نتيجة التحول في حركة التجارة.

 

وتكشف هذه الأرقام أن الحرب لم تؤد فقط إلى تعطيل طريق مباشر أمام ناقلات الطاقة، وإنما أعادت توزيع الحركة على طرق أخرى، فكلما طال اضطراب الطريق الرئيسي، ارتفعت أهمية الطرق البديلة، لكن زيادة الطلب عليها لا تعني بالضرورة أنها قادرة على استيعاب هذه الحركة دون تكلفة إضافية.

 

المياه تضيق الخناق على القناة

تواجه قناة بنما في الوقت نفسه مشكلة مستقلة عن الحرب، لكنها تجعل أثر الصدمة الجيوسياسية أكثر حدة. فقد أدى انخفاض منسوب المياه في بحيرة جاتون، المرتبط بظروف مناخية وتنامي تأثير ظاهرة «إل نينيو»، إلى تقييد الغاطس المسموح به للسفن، ما يعني أن بعض السفن لا تستطيع المرور بكامل حمولتها.

 

وبحسب التقارير، خفضت قيود حديثة عمق الغطس المسموح به من 50 قدمًا إلى 47.5 قدم، فيما تجاوز عدد السفن المنتظرة للعبور 100 سفينة، وسط احتمال فرض قيود إضافية إذا تراجعت مستويات المياه بصورة أكبر.

 

وهنا اجتمع عاملان في وقت واحد؛ الحرب التي تدفع مزيدًا من السفن نحو القناة، والمياه الأقل التي تقلص قدرتها على استيعاب هذا الطلب. 

ولذلك لا تعكس القفزة في أسعار الفتحات مجرد زيادة في رسوم المرور، وإنما تعكس منافسة على قدرة محدودة للعبور.

 

شركات الشحن تدفع الملايين لتجاوز الانتظار

تكشف تفاصيل السوق حجم الضغط بصورة أوضح. فقد ذكرت «الجارديان» أن سفنًا اضطرت إلى الانتظار لما يصل إلى عشرة أيام لعبور القناة، وهو ما دفع بعض ملاك السفن إلى دخول المزادات للحصول على أولوية المرور. 

 

ودفعت ناقلة الحاويات «سي سبان بينيفكتور» نحو 4 ملايين دولار لتجاوز طابور الانتظار، وهو مبلغ يزيد على ضعف متوسط المزايدات في الفترة نفسها.

 

ولا تمثل هذه الأموال في معظم الحالات زيادة موحدة فرضتها إدارة القناة على جميع السفن، وإنما تكلفة إضافية تنشأ عندما تتنافس شركات الملاحة على عدد محدود من الفتحات المتاحة. 

 

وهذا التفصيل مهم في فهم طبيعة الفاتورة؛ فارتفاع السعر هنا نتيجة اختناق في القدرة الاستيعابية وتزايد الطلب، وليس مجرد قرار إداري برفع رسم ثابت.

 

كما ارتفع عدد عمليات العبور بنحو 5% على أساس سنوي، وفق ما نقلته «الجارديان»، بينما تعمل هيئة قناة بنما على إدارة المياه والطاقة الاستيعابية للحفاظ على حركة الملاحة.

 

من سفينة تدفع الرسوم إلى سلعة تتحمل التكلفة

لا تنتهي الفاتورة عند شركة الشحن التي دفعت ملايين الدولارات للحصول على فتحة عبور. فتكلفة المرور جزء من اقتصاد الرحلة البحرية بالكامل، إلى جانب الوقود والتأمين وأجور الطواقم وتكاليف الانتظار والموانئ.

 

وعندما ترتفع تكلفة الرحلة، تواجه شركات النقل خيارًا بين تحمل جزء من الزيادة، أو تحميلها على العملاء، أو إعادة تسعير خدماتها. ويختلف حجم الانتقال إلى أسعار السلع بحسب طبيعة السوق، وهوامش أرباح الشركات، ومدى المنافسة، ونوع البضائع.

 

لكن استمرار ارتفاع تكاليف النقل يضيف ضغطًا جديدًا إلى سلاسل الإمداد العالمية، خصوصًا في القطاعات التي تعتمد بصورة كبيرة على الشحن البحري. 

 

وقد ارتفعت تكاليف الشحن العالمية بالتزامن مع اضطرابات عدة ممرات بحرية، بينها هرمز وبنما والبحر الأحمر، إلى جانب تأثير انخفاض مناسيب المياه في بعض طرق النقل الأوروبية.

 

وبذلك لا يصبح السؤال فقط عن تكلفة عبور السفينة للقناة، وإنما عن عدد حلقات سلسلة الإمداد التي يمكن أن تتأثر عندما ترتفع تكلفة نقل البضائع عبر أحد الممرات الرئيسية.

 

هرمز والبحر الأحمر وبنما.. شبكة واحدة من الاختناقات

تكشف أزمة بنما عن مشكلة أكبر في التجارة العالمية، تتمثل في الممرات البحرية الرئيسية ليس باعتبارها بدائل مستقلة تمامًا، وإنما كشبكة مترابطة. وبالتالي عندما يتعطل أحدها، تنتقل أجزاء من الحركة إلى ممر آخر، فيرتفع الضغط عليه.

 

الحرب في الشرق الأوسط أظهرت ذلك بوضوح، إذ أن اضطراب هرمز يؤثر بصورة مباشرة في صادرات النفط والغاز، بينما أدت المخاطر في البحر الأحمر إلى تغيير مسارات سفن كثيرة، ومع انتقال جزء من الطلب إلى قناة بنما، ظهرت ضغوط جديدة على الممر الذي يربط المحيطين.

 

وقد قفزت بعض تكاليف الشحن على خطوط رئيسية، فيما ارتفعت أسعار المرور عبر قناة بنما إلى مستويات قياسية، ما يعني أن التأثير لم يعد مقصورًا على تكلفة الطاقة نفسها، بل امتد إلى تكلفة نقل السلع.

 

وتكمن خطورة هذا الوضع في أن أي اضطراب جديد في أحد الممرات يمكن أن يضيف ضغطًا إلى الممرات الأخرى، بدلًا من أن تمتص شبكة التجارة الصدمة بسهولة.

 

القناة تستفيد ماليًا.. لكن الاقتصاد العالمي يدفع

من زاوية بنما نفسها، تبدو الصورة مختلفة؛ فزيادة الطلب على القناة رفعت الإيرادات، وساهمت في تحسن النتائج المالية. لكن ارتفاع دخل القناة لا يعني أن الاقتصاد العالمي حقق مكسبًا مماثلًا.

 

والأموال الإضافية التي تدفعها شركات الملاحة للحصول على أولوية العبور تمثل في الجانب الآخر تكلفة إضافية على قطاع النقل. وإذا استمرت هذه التكلفة، فإن جزءًا منها قد يجد طريقه إلى أسعار الشحن، ثم إلى أسعار السلع والخدمات المرتبطة بالنقل البحري.

 

وتزداد حساسية هذه المعادلة لأن قناة بنما تخدم تجارة واسعة بين آسيا وأمريكا، ولذلك فإن تغير تكلفة المرور فيها يمكن أن ينعكس على مسارات تجارية لا علاقة مباشرة لها بالحرب في الشرق الأوسط.

 

هرمز بدأ الفاتورة وبنما تكشف امتدادها

يأتي هذا التطور في سياق سلسلة من التداعيات التي رصدها ملف «فاتورة الحرب» منذ بداية الصراع. 

فقد أدى اضطراب مضيق هرمز إلى تعطيل جزء كبير من حركة السفن، ودفع شركات الطاقة إلى إعادة النظر في مصادر الإمداد ومسارات النقل، بينما جعلت المخاطر في البحر الأحمر طرقًا أخرى أكثر تكلفة.

 

ومع مرور الوقت، لم تعد الفاتورة مقتصرة على النفط والغاز أو الإنفاق العسكري. فقد بدأت تظهر في التأمين، والشحن، وتكاليف الانتظار، وأسعار العبور، ثم في قدرة الشركات على نقل البضائع في المواعيد المعتادة.

 

وتأتي قناة بنما كحلقة جديدة في هذه السلسلة؛ فالحدث الجديد ليس أن الحرب عطلت هرمز، وإنما أن اضطراب هرمز بدأ يغير قيمة وقدرة ممر بحري آخر بعيد عن منطقة الصراع.

 

هل يتحول الاختناق المؤقت إلى أزمة تجارية أوسع؟

من المرجح أن تبقى القفزة في أسعار مرور قناة بنما مؤقتة، إذا تراجعت حدة الحرب وعادت حركة السفن عبر هرمز تدريجيًا إلى مستويات أكثر انتظامًا. وفي هذه الحالة يمكن أن ينخفض الطلب الاستثنائي على القناة، وتتراجع المنافسة على الفتحات.

 

أما السيناريو الأقرب فيتمثل في استمرار الحرب واضطراب الممرات البحرية بالتزامن مع استمرار القيود المائية في بنما. 

وفي هذه الحالة قد تبقى القناة تحت ضغط مزدوج، وهو ما يعني استمرار ارتفاع تكلفة العبور والنقل.

 

ولكن الأكثر خطورة هو اجتماع استمرار الحرب مع تراجع أكبر في القدرة التشغيلية للقناة أو حدوث اضطرابات جديدة في ممرات بحرية أخرى؛ عندها قد تنتقل المشكلة من ارتفاع تكلفة بعض الرحلات إلى اضطراب أوسع في جداول الشحن وسلاسل الإمداد.

 

مع استمرار الضغوط على قناة بنما طالما بقيت الحرب مؤثرة في حركة الطاقة والملاحة، قد يظهر في المدى القريب تحول هذه الزيادة إلى أزمة عالمية واسعة في أسعار السلع وهو ما يتوقف على مدة الحرب، وحجم التحول الدائم في مسارات السفن، وقدرة القناة على الحفاظ على طاقتها التشغيلية رغم القيود المائية.

 

وبذلك تكشف رسوم العبور القياسية في بنما جانبًا آخر من فاتورة الحرب؛ فالصراع الذي يبدأ بإغلاق ممر بحري قد ينتهي بإعادة توزيع تكلفة التجارة على ممرات أخرى، حتى لو كانت هذه الممرات بعيدة تمامًا عن ساحات القتال.

الاخبار العاجلة