فاتورة الحرب.. إفلاس الشركات الأوروبية يتصاعد.. هل بدأت حرب إيران تضغط على اقتصاد القارة؟

منذ 52 دقيقةآخر تحديث :
فاتورة الحرب.. إفلاس الشركات الأوروبية يتصاعد.. هل بدأت حرب إيران تضغط على اقتصاد القارة؟
تقرير- فاطمة خليفة:

تظهر بيانات رسمية أوروبية أن نشاط الشركات الأوروبية يواجه ضغوطًا متزايدة، مع ارتفاع إعلانات الإفلاس في عدد من الدول والقطاعات خلال 2026، في وقت لا تزال فيه الشركات تواجه تكاليف تمويل وتشغيل مرتفعة واضطرابات في التجارة والطاقة.

 

 لا يمكن إرجاع السبب في انهيار الشركات؛ إلى آثار الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران فقط، ولكن يمكن تفسيره بعدة أسباب، لأن بيانات الإفلاس تكشف أن تاريخ بداية الانهيار يعود إلى ما قبل الحرب.

 

كما توضح بيانات «يوروستات» أن إعلانات الإفلاس تقاس على أساس بدء إجراءات قانونية للإفلاس، وهي لا تعني بالضرورة أن الشركة توقفت نهائيًا عن العمل. كما تنشر البيانات ربع سنويًا بعد جمعها من الدول الأعضاء وفق منهجية موحدة.

 

الإفلاس ليس مجرد رقم.. لكنه إشارة إلى ضغط الشركات

تظهر أهمية مؤشرات الإفلاس في الكشف عن الشركات التي وصلت إلى مرحلة تستدعي بدء إجراءات قانونية، وليس مجرد تراجع في الأرباح أو انخفاض في المبيعات.

 

وتوضح منهجية «يوروستات» أن «الإفلاس» في هذه السلسلة الإحصائية يشير إلى الشركات التي بدأت إجراءات إعلان الإفلاس بموجب قرار قضائي، وقد تكون هذه الإجراءات مؤقتة ولا تعني بالضرورة توقف النشاط. 

 

ارتفاع عدد الإجراءات، يمكن أن يقدم إشارة مهمة إلى الضغوط التي تواجهها بيئة الأعمال، خصوصًا عندما يتزامن مع تراجع في تأسيس شركات جديدة أو ضعف في الاستثمار.

 

اقتصاد أوروبي ينمو.. لوالشركات تتراجع

وتظهر الصورة الأوسع أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي لم يدخل في انكماش شامل خلال الربع الثاني من 2026؛ فقد ارتفع الناتج المحلي الإجمالي في الاتحاد بنسبة 0.5% مقارنة بالربع السابق، بينما نما اقتصاد منطقة اليورو بنسبة 0.4%، وفق التقدير الأولي لـ«يوروستات». وبلغ النمو 1.2% في الاتحاد و1.0% في منطقة اليورو.

 

وهذه الأرقام تعيد قراءة مشهد الإفلاس بشكل مختلف، لأنها تعني أن ارتفاع حالات التعثر لا يحدث في اقتصاد أوروبي منهار بالكامل، وإنما في اقتصاد ينمو بصورة محدودة بينما تواجه قطاعات وشركات بعينها ظروفًا أكثر صعوبة.

 

وهنا يصبح السؤال الاقتصادي أكثر دقة: هل تستطيع الشركات تحمل تكلفة التمويل والطاقة والنقل حتى عندما يظل الاقتصاد الكلي قادرًا على تحقيق نمو محدود؟

 

الحرب تضيف طبقة جديدة إلى تكلفة التشغيل

أحد أهم مصادر الضغط التي أضافتها الحرب هو اضطراب التجارة والطاقة، فإغلاق أو اضطراب مضيق هرمز أعاد ترتيب حركة ناقلات الطاقة، بينما دفعت المخاطر في البحر الأحمر السفن إلى مسارات أطول، ورفعت الضغوط على طرق بديلة مثل قناة بنما. 

وقد وصلت تكلفة بعض رسوم العبور في قناة بنما خلال أغسطس إلى مستويات قياسية، مع متوسط مزادات بلغ نحو 1.1 مليون دولار، بينما وصلت بعض الفتحات إلى 2.5 مليون دولار.

 

بالنسبة إلى الشركات الأوروبية، لا تدخل هذه الزيادة إلى دفاترها باعتبارها «فاتورة حرب» منفصلة، وإنما تظهر في تكلفة النقل والتأمين والطاقة والمواد الخام. وفي القطاعات التي تعمل بهوامش ربح محدودة، يمكن لمثل هذه الزيادات أن تضغط على الأرباح أو تدفع الشركات إلى رفع الأسعار أو خفض الإنتاج.

 

الشركات الصغيرة تواجه المعادلة الأصعب

تصبح الضغوط أكثر حساسية بالنسبة للشركات الصغيرة والمتوسطة التي لا تملك قدرة الشركات الكبرى نفسها على امتصاص الزيادات المفاجئة في التكلفة.

 

ارتفاع تكلفة الشحن لا يعني فقط دفع مبلغ أكبر لشركة النقل؛ فقد يتزامن مع ارتفاع التأمين، وزيادة زمن وصول الشحنة، والحاجة إلى تخزين مخزون إضافي، وربما تمويل هذا المخزون بتكلفة فائدة أعلى.

وهنا يمكن أن يتحول اضطراب ممر بحري بعيد عن أوروبا إلى ضغط متراكم على ميزانية شركة أوروبية تعمل في قطاع الاستيراد أو التصنيع.

وبالتالي حتى لو لم تصل الشركة إلى الإفلاس، فستصبح شركة متراجعة بسبب تراكم الضغوط الذي يعد أكثر خطورة من حيث المبيعات الضعيفة أو الديون المرتفعة أو صعوبة في الوصول إلى التمويل.

 

التمويل نفسه أصبح جزءًا من المشكلة

وتكشف بيانات البنك المركزي الأوروبي أن ظروف تمويل الشركات في منطقة اليورو شهدت مزيدًا من التشدد خلال الربع الثاني من 2026، وفق أحدث جولة من مسح «الوصول إلى التمويل للشركات» التي شملت أكثر من خمسة آلاف شركة، معظمها من الشركات التي يقل عدد موظفيها عن 250 موظفًا.

 

وتشير نتائج المسح إلى أن مؤشر ظروف التمويل المصرفي للشركات اتجه إلى مزيد من التشدد، وهو تطور مهم عند النظر إلى شركات تواجه في الوقت نفسه ارتفاعًا في تكاليف التشغيل.

 

نظريا، الشركة التي تستطيع الاقتراض بسهولة يمكنها تمويل فترة مؤقتة من ارتفاع التكاليف، أما الشركة التي تواجه تمويلًا أكثر صعوبة، فإن مساحة المناورة تصبح أضيق.

 

وبالتالي يظل تأثير الحرب على الشركات تأثير غير مباشر، عبر تراكم تكاليف الطاقة والنقل والتمويل على ميزانيات الشركات.

 

الشركات الأوروبية كانت بالفعل تواجه مشكلات قبل الحرب، تتمثل في ارتفاع أسعار الفائدة، وضعف بعض القطاعات الصناعية، وتراجع الطلب في بعض الأسواق، والمنافسة العالمية، وتكاليف الطاقة، كلها عوامل سبقت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.

 

ولكن الحرب أضافت عامل ضغط جديدًا إلى بيئة كانت تعاني أصلًا من تحديات، وقد يصبح هذا العامل أكثر تأثيرًا في القطاعات الأكثر اعتمادًا على الطاقة المستوردة أو التجارة الدولية أو النقل البحري.

 

بعض الدول تقدم صورة مختلفة

تكشف البيانات الوطنية أن الاتجاه لا يتحرك بالوتيرة نفسها في جميع الدول الأوروبية؛ ففي بلغاريا، على سبيل المثال، أعلنت هيئة الإحصاء أن عدد الكيانات القانونية التي أعلن إفلاسها خلال الربع الثاني من 2026 بلغ 966 حالة، بانخفاض 5.9% عن الربع الأول و17.7% مقارنة بالربع الثاني من 2025.

وهذا يوضح تباين في مواقف الشركات الأوروبية، إذ أن بعض الاقتصادات تسجل ارتفاعًا في الإفلاس، بينما تسجل اقتصادات أخرى انخفاضًا.

 

أزمة اضطراب الملاحة تخنق العالم 

منذ بداية الحرب، ظهرت تداعيات اقتصادية في قطاعات متعددة خارج ميدان العمليات؛ فاضطراب الطاقة رفع حساسية الأسواق تجاه الإمدادات، واضطراب الملاحة أدى إلى زيادة تكلفة بعض الرحلات، كما أدت إعادة توجيه السفن إلى ارتفاع المنافسة على الممرات البديلة.

 

وفي قناة بنما، وصل أثر هذه التحولات إلى رسوم العبور؛ وفي سوق الشحن، ارتفعت تكلفة نقل البضائع على بعض الخطوط؛ بينما ظلت الشركات الأوروبية في الوقت نفسه أمام تكاليف تمويل وتشغيل ليست منخفضة.

 

الحرب لا تظهر بشكل مباشر في قرار الإفلاس نفسه، وإنما قد تظهر في الضغوط التي تسبق القرار إذا كانت الشركة تعتمد على الطاقة المستوردة أو الشحن أو المواد الخام أو التمويل.

 

هل تستطيع أوروبا امتصاص الصدمة

من المرجح أن يتراجع جزء من الضغوط التي فرضتها تكاليف النقل والطاقة على الشركات؛ في حال هدأت الحرب وعادت حركة الطاقة والملاحة إلى مستويات أكثر استقرارًا.

 

وهو ما ينعكس على قدرة الشركات على إدارة التكاليف والاعتماد بدرجة أكبر على عوامل الاقتصاد الأوروبي الداخلية، مثل الطلب وأسعار الفائدة والإنتاجية.

 

حرب طويلة وشركات أكثر هشاشة

في المقابل قد تجد الشركات التي تعتمد على التجارة الدولية نفسها أمام فترة أطول من ارتفاع تكاليف التشغيل، إذا استمر اضطراب الممرات البحرية والطاقة.

 

وفي هذه الحالة يصبح الخطر أكبر على الشركات ذات الهوامش المحدودة أو المديونية المرتفعة، خصوصًا إذا لم تتمكن من تمرير الزيادة إلى المستهلك.

 

استمرار الحرب لا يعني تلقائيًا ارتفاع الإفلاس في جميع القطاعات، لأن الشركات تختلف في قدرتها على التحوط ورفع الأسعار وتغيير الموردين والمسارات.

 

ضغط متراكم لا موجة انهيار

بالنظر إلى المؤشرات الأخيرة، لا يمكن وصف الاقتصاد الأوروبي بأنه دخل مرحلة إفلاس جماعي. فالناتج المحلي لا يزال ينمو، والبطالة في الاتحاد عند 6.0% في يونيو 2026 وفق «يوروستات»، بينما تختلف مؤشرات الإفلاس بصورة واضحة بين الدول والقطاعات.

لكن السيناريو الأكثر قلقا هو استمرار الضغط المتفاوت على الشركات إذا بقيت الحرب مؤثرة في الطاقة والملاحة والتمويل.

وهنا تنتقل فاتورة الحرب إلى الشركات التي كانت عاجزة أصلًا على التحمل إذ تجد نفسها أمام طبقة إضافية من التكلفة، وقد تكون هذه الطبقة هي العامل الذي يحول أزمة سيولة مؤقتة إلى أزمة بقاء.

ويبقى السؤال الأكثر تعقيدًا: إلى أي مدى تستطيع الشركات الأوروبية تحمل الصدمات المتراكمة إذا ظلت الحرب تعيد رفع تكلفة الطاقة والنقل والتمويل في الوقت نفسه؟

الاخبار العاجلة