كتاب جديد للمؤرخ التركي تانر أكجام يعيد النظر في تاريخ الإبادة الجماعية للأرمن

«إمبراطورية العنف: تاريخ جديد للإبادة الجماعية للأرمن»

منذ ساعة واحدةآخر تحديث :
كتاب جديد للمؤرخ التركي تانر أكجام يعيد النظر في تاريخ الإبادة الجماعية للأرمن

في يناير 2027، تصدر عن مطبعة جامعة برينستون (Princeton University Press) دراسة جديدة للمؤرخ التركي تانر أكجام، الذي بدأ أبحاثه حول الإبادة الجماعية للأرمن عام 1991، ويقول إن هذا الكتاب يمثل خلاصة ما تعلمه خلال أكثر من خمسة وثلاثين عامًا من البحث والكتابة والمشاركة في المؤتمرات ومتابعة أعمال جيل جديد من الباحثين.

ويقدم أكجام كتابه بوصفه محاولة لكتابة «تاريخ جديد للإبادة الجماعية للأرمن»، ليس من خلال إعادة سرد الأحداث المعروفة فحسب، بل عبر إعادة التفكير في العلاقة التاريخية بين مراحل العنف المختلفة التي شهدتها أواخر الإمبراطورية العثمانية وما بعدها.

من 1878 إلى ثلاثينيات القرن العشرين

بحسب أكجام، يحاول الكتاب دراسة الفترة الممتدة من 1878 إلى ثلاثينيات القرن العشرين من خلال مفهوم مختلف للاستمرارية التاريخية.

وهنا تكمن إحدى أهم نقاط الكتاب: فالإبادة الجماعية للأرمن لا تُدرس باعتبارها حدثًا معزولًا وقع خلال عام 1915 وحده، وإنما ضمن مسار أطول من العنف والتحولات السياسية والاجتماعية في أواخر الإمبراطورية العثمانية.

وفي هذا السياق، لا يقتصر الكتاب على التجربة الأرمنية وحدها، بل يضعها ضمن تاريخ أوسع من العنف الذي طال أيضًا اليونانيين والآشوريين.

ويولي أكجام اهتمامًا خاصًا لفترة السلطان عبد الحميد الثاني، والعنف الذي شهدته تسعينيات القرن التاسع عشر، ومجازر أضنة عام 1909، ثم سنوات 1914–1918 وما أعقب الحرب العالمية الأولى.

لماذا 1914 بدلًا من 1915؟

من أكثر الأسئلة التي يبرزها أكجام أهميةً مسألة نقطة بدء رواية الأحداث. فهو يطرح، ضمن أمثلة حججه الجديدة، السؤال عن سبب ضرورة بدء القصة عام 1914 بدلًا من 1915.

وهذه النقطة تحتاج إلى فهم دقيق: فالمقصود ليس ببساطة القول إن الإبادة الجماعية «بدأت عام 1914» بدلًا من 1915، وإنما إعادة النظر في كيفية بناء الرواية التاريخية للعنف والإبادة، وفي العلاقة بين ما حدث قبل الإبادة خلال الحرب العالمية الأولى وما جرى في مراحلها اللاحقة.

وبذلك تصبح المسألة أوسع من مجرد تحديد سنة البداية؛ إنها تتعلق بكيفية فهم التطور التاريخي الذي سبق عمليات الإبادة وارتبط بها.

من أضنة إلى الحرب العالمية الأولى

ومن الأمثلة التي يطرحها أكجام العلاقة بين حادثة 31 مارس ومجازر أضنة عام 1909، وهي علاقة يرى أنها تساعد على إعادة قراءة تطور العنف والتطرف داخل الإمبراطورية العثمانية.

ويقول وصف الكتاب الصادر عن Princeton University Press إن أكجام يعتمد على مصادر جديدة وأدلة جديدة أو قليلة التداول لدراسة هذه المراحل، محاولًا تتبع الصلات بين موجات العنف السابقة والعملية الإبادية التي جرت خلال الحرب العالمية الأولى.

ووفق وصف الناشر، يدرس الكتاب أيضًا كيفية انتقال ممارسات العنف التي ظهرت في أطراف الإمبراطورية إلى قرارات جرى تنسيقها مركزيًا.

لكن أكجام لا يقدم العملية الإبادية باعتبارها عملية تتحرك فقط من أعلى إلى أسفل. فإلى جانب أهمية التوجيهات والقرارات المركزية، يناقش أيضًا المشاركة الجماهيرية لقطاعات من الناس العاديين، بما في ذلك أتراك وأكراد وشركس. ومن هنا يحاول الكتاب الجمع بين مستويين من التحليل: دور السلطة المركزية من جهة، ودور المشاركة الاجتماعية والجماهيرية من جهة أخرى.

العنف بوصفه ظاهرة تاريخية أوسع

يربط أكجام هذه التطورات بما يصفه بأزمة الدولة العثمانية الطويلة وتجارب القرن التاسع عشر المتراكمة، وبكيفية مساهمة هذه الظروف في تشكيل ثقافة سياسية أصبح فيها العنف واسع النطاق أكثر قابلية للتطبيع.

وهذا الطرح يوسّع النقاش من سؤال «من أصدر القرار؟» إلى سؤال أكثر تعقيدًا حول كيف نشأت الظروف السياسية والاجتماعية التي جعلت العنف الجماعي ممكنًا وقابلًا للتنفيذ والمشاركة.

كما يضع الكتاب التجربة الأرمنية في إطار أوسع من العنف ضد الجماعات المسيحية في أواخر الإمبراطورية العثمانية، مع اهتمام خاص بالأرمن والآشوريين واليونانيين.

جيل جديد من الباحثين ومصادر جديدة

يشير أكجام أيضًا إلى أن أعمال جيل جديد من الباحثين والنتائج الجديدة التي قدموها إلى هذا المجال تحتل مكانة خاصة في الكتاب.

وهذه نقطة مهمة، لأن الكتاب لا يقدم نفسه باعتباره مجرد تلخيص لأبحاث أكجام السابقة، بل باعتباره محاولة لجمع حصيلة أكثر من ثلاثة عقود ونصف من البحث، إلى جانب الاستفادة من التطورات الجديدة في الدراسات الأكاديمية حول الموضوع.

من التاريخ إلى ثقافة الإنكار

ولا يتوقف الكتاب عند دراسة العنف والإبادة، بل يبحث أيضًا في ثقافة الإنكار التي أحاطت بالإبادة الجماعية للأرمن، وفي انعكاساتها على الواقع السياسي المعاصر في تركيا.

ومن خلال ذلك، يربط أكجام بين التاريخ وبين أسئلة ما تزال حاضرة حتى اليوم حول الذاكرة والعدالة والاعتراف.

وهكذا لا يصبح الكتاب دراسة للأحداث التاريخية وحدها، بل بحثًا في الطريقة التي استمرت بها آثار تلك الأحداث في السياسة والذاكرة والمجتمع.

لماذا يمكن أن يكون الكتاب مهمًا؟

أهمية الكتاب لا تكمن فقط في أن مؤلفه بدأ العمل على هذا الموضوع منذ عام 1991، ولا في عدد سنوات البحث التي يقف وراءه، بل في محاولته إعادة صياغة الإطار الذي تُفهم من خلاله الإبادة الجماعية للأرمن.

فبدل النظر إلى 1915 باعتبارها صفحة منفصلة عن العقود التي سبقتها وما تلاها، يحاول أكجام دراسة العلاقة بين مراحل العنف المختلفة، وتحديد آليات الاستمرارية والتحول فيها.

وهو بذلك يطرح أسئلة تتجاوز السرد التقليدي للأحداث، وتدخل مباشرة في صميم النقاش الأكاديمي حول الإبادة الجماعية، والعنف الجماعي، ودور الدولة، والمشاركة الاجتماعية، والذاكرة والإنكار.

ويقول أكجام إنه يعتقد أنه يستطيع، بصورة مريحة، وصف ما نتج عن هذا العمل بأنه بالفعل «تاريخ جديد للإبادة الجماعية للأرمن».

كما يشير إلى أن الكتاب سيكون ثاني كتبه المنشورة لدى Princeton University Press، ويعبر عن سعادته باعتقاده أنه أول باحث من تركيا ينشر كتابين لدى المطبعة.

وصف الكتاب من موقع دار النشر الإلكتروني موجود أدناه.

وصف الكتاب:
https://press.princeton.edu/books/ebook/9780691299556/empire-of-violence?srsltid=AfmBOoqe3EEYAevi2-hQ9ScLYXHu5kYjTHsNqcNTLfdS6jXdz3rEMmcg

خلال الحرب العالمية الأولى، ارتكب العثمانيون إبادةً ممنهجةً للأرمن وثقافتهم، حيث قُتل نحو مليون شخص جوعًا ومسيرات الموت وأعمال العنف الجماعي. يتجاوز كتاب “إمبراطورية العنف” الروايات التقليدية للإبادة الجماعية للأرمن باعتبارها حدثًا منفردًا، ويعيد صياغتها كعملية امتدت لعقود ضمن نمط أوسع من العنف المعادي للمسيحية ضد الأرمن والآشوريين واليونانيين في أواخر عهد الإمبراطورية العثمانية.

بالاستناد إلى مصادر كُشِف عنها حديثًا، يتتبع تانر أكجام الترابط بين أحداث العنف السابقة والإبادة الجماعية التي ارتُكبت خلال الحرب، مُحددًا هذا الترابط لا في جهات فاعلة ثابتة أو هويات راسخة، بل في ديناميكية هيكلية تشكلت بفعل أزمة الإصلاح الإمبراطوري الطويلة، حيث تبرز جهات فاعلة مختلفة، ثم تتراجع، وتحل محل بعضها البعض بمرور الوقت. من المجازر التي وقعت في تسعينيات القرن التاسع عشر إلى مذبحة أضنة عام ١٩٠٩، التي قتل فيها المسلمون العثمانيون وعذبوا آلاف الأرمن، يُبين أكجام كيف بلغت ممارسات التطرف والإبادة على أطراف الإمبراطورية ذروتها بقرارات مركزية منسقة. مع ذلك، لم تكن عملية الإبادة الجماعية من أعلى إلى أسفل فحسب. فبينما كانت التوجيهات المركزية حاسمة، لعبت المشاركة الجماهيرية للمسلمين العاديين – بمن فيهم الأتراك والأكراد والشركس – دورًا حاسمًا. يُوضح أكجام كيف أن ضعف الدولة العثمانية وتراكم خبرة القرن التاسع عشر قد أنتجا ثقافة سياسية طبعت العنف واسع النطاق، وبذلك يُوسع الحدود المفاهيمية لدراسات الإبادة الجماعية بشكل أوسع.

من خلال دراسة ثقافة الإنكار المحيطة بهذه المأساة، يُقدم كتاب “إمبراطورية العنف” أيضًا منظورات جديدة حول الواقع السياسي لتركيا المعاصرة، مع إعادة صياغة النقاشات النقدية حول الذاكرة والعدالة والاعتراف في أعقاب الإبادة الجماعية.

الاخبار العاجلة