من “علي الطاهر” إلى روما.. هل تنجح الدبلوماسية حيث تعثّرت المفاوضات؟

منذ ساعة واحدةآخر تحديث :
من “علي الطاهر” إلى روما.. هل تنجح الدبلوماسية حيث تعثّرت المفاوضات؟
بيروت- بسام فقيه:

لا يبدو الجنوب اللبناني أمام هدنة تقترب، بقدر ما يبدو أمام اختبار جديد بين النار والسياسة. ففي الوقت الذي تتواصل فيه الغارات والقصف الإسرائيلي على تلة علي الطاهر ومحيطها، تتكثف في المقابل حركة سياسية ودبلوماسية خارجية، وكأن لبنان يقف مجددًا بين مسارين متوازيين: مسار ميداني تزداد فيه الضغوط، ومسار تفاوضي يحاول منع انفجار أكبر.

في علي الطاهر، لا تقتصر التطورات على القصف المتقطع. فالساعات الأخيرة حملت سلسلة غارات وضربات مدفعية طالت التلة والمنحدرات والأحراج المحيطة بها، مع حديث عن استخدام قذائف فوسفورية حارقة. ويعكس هذا التصعيد، وفق المعطيات الميدانية، محاولة إسرائيلية لتضييق الخناق على الموقع وكشف تضاريسه ومداخله المحتملة، بما قد يمهّد، إذا استمر المسار نفسه، للانتقال من الضغط الناري إلى تحرك عسكري أوسع.

لكن المفارقة أن النار المشتعلة في الجنوب تتزامن مع حركة سياسية لافتة في بيروت وروما وباريس وواشنطن. فلبنان لم يخرج من دائرة الاهتمام الدولي، بل ربما دخل مرحلة أكثر دقة، عنوانها محاولة إنقاذ المسار التفاوضي قبل أن يصبح التصعيد الميداني أمرًا واقعًا يصعب احتواؤه.

من روما، يحاول رئيس الجمهورية جوزاف عون فتح نافذة جديدة عبر الفاتيكان. لقاؤه البابا لاوون الرابع عشر، واجتماعه بأمين سر دولة الفاتيكان الكاردينال بيترو بارولين، لا يحملان طابعًا بروتوكوليًا فقط، بل يأتيان في لحظة يبحث فيها لبنان عن أي مساحة سياسية يمكن أن تساعد في تخفيف التوتر والدفع باتجاه حل يحول دون تجدد الحرب.

وإذا كانت روما تحمل رمزية دينية وسياسية، فإن باريس تتحرك على خط آخر لا يقل أهمية. رسالة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى عون، ودعوة لبنان إلى الاجتماع التحضيري في السابع عشر من أيلول لدعم الجيش وقوى الأمن الداخلي، تعكسان استمرار الرهان الدولي على المؤسسة العسكرية بوصفها إحدى ركائز استعادة الدولة لدورها الأمني والسيادي.

غير أن المشكلة الأساسية لا تزال في مكانها: التفاوض لم يتجاوز عقده الأصعب. فمسألة لجنة التدقيق أو التحقق، التي يُنظر إليها باعتبارها مفتاحًا للانتقال إلى تطبيق فكرة «المناطق النموذجية»، ما زالت عالقة عند تفاصيل الصلاحيات والعديد والانتشار وطبيعة المهمة. وحتى الدول التي أبدت استعدادها للمشاركة تريد ضمانات واضحة قبل الدخول في هذه المهمة، فيما تستمر الاتصالات الأميركية مع بيروت وتل أبيب لمحاولة صياغة بروتوكول قابل للتنفيذ.

وفي الداخل، تبدو المواقف السياسية أكثر وضوحًا في توصيف حجم المأزق. رئيس مجلس النواب نبيه بري أبلغ الوفد الأميركي الذي زاره في عين التينة أن ما يجري في الجنوب لم يعد يحتمل، واضعًا مسؤولية إنهاء الحرب عمليًا في يد واشنطن، وتحديدًا الرئيس دونالد ترامب. وفي المقابل، قدّم تصورًا يقوم على انسحاب إسرائيل، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني، وحصرية السلاح والأمن بيد المؤسسة العسكرية، بما يسمح للسكان بالعودة وبدء إعادة الإعمار.

أما في معراب، فكان عنوان البحث أكثر مباشرة: نزع سلاح حزب الله بالتوازي مع الانسحاب الإسرائيلي وعودة السكان، مع دعم واضح لفكرة المناطق النموذجية وضرورة وجود متابعة أميركية حثيثة لضمان تنفيذ الاتفاق الإطاري.

وبين عين التينة ومعراب وروما وباريس، تتبلور صورة جديدة للمشهد اللبناني: الجميع يتحدث عن الدولة، الجيش، الانسحاب، عودة السكان وإعادة الإعمار، فيما يبقى الجنوب هو المكان الذي تُختبر فيه كل هذه العناوين تحت النار.

والمفارقة الأشد أن الطريق إلى التسوية لا يزال يمر فوق أرض قابلة للاشتعال في أي لحظة. فكلما اشتد الضغط الإسرائيلي في علي الطاهر ومحيطها، ازدادت الحاجة إلى السياسة، وكلما تعثرت السياسة، اتسعت مساحة الميدان.

لذلك، فإن السؤال اليوم لم يعد فقط ما إذا كانت الحرب ستتوسع، بل ما إذا كان لبنان قادرًا على تحويل هذا الزخم الدولي إلى مسار تفاوضي فعلي قبل أن تفرض التطورات العسكرية وقائع جديدة. فبين تلة يحاول الجيش الإسرائيلي تضييق الخناق عليها، وعاصمة روحية تستقبل رئيس الجمهورية، وعواصم دولية تبحث عن صيغة للجيش والدولة والجنوب، يقف لبنان أمام فرصة ضيقة جدًا: أن تنجح الدبلوماسية في إيقاف النار، قبل أن تصبح النار هي التي ترسم شكل المرحلة المقبلة.

الاخبار العاجلة