مرشحة من أصول لبنانية تقتحم سباق خلافة “جوتيريش”.. هل تصل إلى قمة الأمم المتحدة؟ 

20 أغسطس 2026آخر تحديث :
مرشحة من أصول لبنانية تقتحم سباق خلافة “جوتيريش”.. هل تصل إلى قمة الأمم المتحدة؟ 
تقرير- فاطمة خليفة:

انضمت الدبلوماسية الإكوادورية من أصول لبنانية إيفون عبدالباقي إلى السباق على منصب الأمين العام للأمم المتحدة، بعد أن رشحتها تونجا رسميًا لخلافة البرتغالي أنطونيو جوتيريش، الذي تنتهي ولايته الثانية في 31 ديسمبر 2026، لتصبح المنافسة أكثر اتساعًا في وقت تدخل فيه عملية الاختيار مرحلة جديدة مع استمرار التصويت الاستطلاعي داخل مجلس الأمن.

 

وأعلنت رئيسة الجمعية العامة للأمم المتحدة ترشيح “عبدالباقي”، التي تولت في السابق منصب وزيرة التجارة الخارجية في الإكوادور، كما كانت أول امرأة تشغل منصب سفيرة بلادها لدى الولايات المتحدة، وشغلت كذلك منصب سفيرة الإكوادور لدى قطر. 

وبهذا الترشيح يرتفع عدد المتنافسين إلى ثمانية، بينهم خمس نساء وثلاثة رجال، فيما لا يزال باب الترشيحات مفتوحًا.

 

مرشحة تحمل خبرة سياسية ودبلوماسية واسعة

تقدم “عبدالباقي” إلى السباق بخبرة تجمع بين العمل الحكومي والدبلوماسي، إضافة إلى مشاركتها في ملفات تتصل بالعلاقات الدولية وحل النزاعات. 

 

وكانت من أبرز الشخصيات المشاركة في جهود التوسط للحوار بين الإكوادور وبيرو، الخصمين التقليديين في أميركا الجنوبية، كما اضطلعت بدور في مبادرة دولية لم يكتب لها النجاح للحفاظ على النفط في إحدى محميات الأمازون مقابل الحصول على مساهمة مالية دولية.

 

وتحاول “عبدالباقي” تقديم خلفيتها الشخصية والسياسية باعتبارها عنصرًا يميز ترشيحها عن بقية المتنافسين، إذ قالت في منشور لها على منصة «إكس» إنها عاشت ويلات الحرب، وقدمت نفسها باعتبارها المرشحة الوحيدة التي تجمع جذورها بين أميركا اللاتينية والشرق الأوسط، إلى جانب مشاركتها في التوصل إلى اتفاق سلام بين دولتين عضوين في الأمم المتحدة.

 

وتربط المرشحة بين تجربتها وبين المهمة التي تنتظر الأمين العام المقبل، معتبرة أن خبرتها يمكن أن تساعد في إعادة التأكيد على أحد المبادئ الأساسية لميثاق الأمم المتحدة، وهو حماية الأجيال المقبلة من ويلات الحروب، في وقت تتفاقم فيه النزاعات الدولية.

 

ثمانية مرشحين وسباق بلا أفضلية واضحة

يأتي دخول “عبدالباقي” في وقت أصبح فيه السباق أكثر ازدحامًا وتنوعًا من حيث الخلفيات السياسية والجغرافية للمرشحين، تضم القائمة ريبيكا جرينسبان (كوستاريكا)، ميشيل باشليه (تشيلي)، ماريا فرناندا إسبينوسا (الإكوادور)، كارولين رودريجيز-بيركيت (جيانا)، أولارا أوتونو  (أوغندا)، ماكي سال (السنغال)، رافايل جروسي (الأرجنتين).

 

وتعكس القائمة الحالية حضورًا قويًا لمرشحين من أميركا اللاتينية ومنطقة الكاريبي، إلى جانب مرشحين من أفريقيا، فضلًا عن جروسي، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، الذي يعد من أكثر الأسماء شهرة على المستوى الدولي، وهو الأوفر حظا كونه يتمتع بدعم واشنطن.

 

لكن الشهرة والخبرة الدولية لا تضمنان الوصول إلى المنصب؛ فالعملية تخضع لحسابات سياسية معقدة، خصوصًا أن اختيار الأمين العام يمر أولًا عبر مجلس الأمن الذي تتحكم فيه القوى الدولية الكبرى قبل أن يصل إلى الجمعية العامة.

 

التصويت الاستطلاعي يختبر حظوظ المتنافسين

وفي يوليو، أجرى مجلس الأمن جولة أولى من التصويت الاستطلاعي لقياس مستوى التأييد الذي يحظى به المرشحون، وكان عدد المتنافسين في ذلك الوقت سبعة.

 

وتصدرت الكوستاريكية ريبيكا جرينسبان الجولة الأولى، وهي تشغل منصب الأمينة العامة لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، وكانت نائبة سابقة لرئيس كوستاريكا. 

 

وجاء التصويت في مرحلة مبكرة من السباق، لكنه قدم أول مؤشر فعلي إلى قدرة كل مرشح على جمع التأييد داخل المجلس.

 

ولا يعني تصدر الجولة الاستطلاعية حسم السباق، لكنه يمنح صاحبه أفضلية سياسية أولية، خصوصًا إذا تمكن من الحفاظ على موقعه في الجولات التالية، في حين يمكن للمرشحين الآخرين العمل على تغيير موازين التأييد من خلال الاتصالات الدبلوماسية والمفاوضات بين الدول الأعضاء.

 

ومع دخول “عبدالباقي” إلى المنافسة بعد إجراء الجولة الأولى، يصبح المشهد أكثر قابلية للتغيير، إذ يمكن أن تعاد حسابات الدول التي لم تحسم خياراتها، كما يمكن أن تتغير مواقف بعض الأطراف مع اقتراب عملية الاختيار من مراحلها الحاسمة.

 

القوى الخمس.. العقبة الأصعب أمام أي مرشح

تمثل الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن (الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا والمملكة المتحدة) العنصر الحاسم في التصويت، حيث تمتلك حق النقض، وهو ما يجعل الحصول على تأييد واسع داخل المجلس شرطًا غير كافٍ إذا واجه المرشح اعتراض إحدى هذه القوى.

 

ويضم مجلس الأمن 15 دولة، ويحتاج المرشح إلى دعم تسع دول على الأقل حتى يتمكن من تجاوز المجلس، بشرط عدم استخدام أي من الدول الخمس الدائمة العضوية حق النقض ضده. 

ولهذا السبب، فإن المعركة الحقيقية لا تتعلق فقط بمن يستطيع الحصول على أكبر عدد من الأصوات، وإنما بمن يستطيع بناء صيغة مقبولة لدى القوى الكبرى المتنافسة.

 

وتزداد صعوبة هذه المعادلة في ظل الانقسامات الدولية الحالية، التي تجعل التوافق بين الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا والمملكة المتحدة أكثر تعقيدًا. 

 

وبالتالي، فإن المرشح الذي يمتلك شبكة علاقات دولية واسعة قد لا يكون بالضرورة الأقرب إلى المنصب إذا لم يتمكن من الوصول إلى صيغة مقبولة لدى القوى صاحبة حق النقض.

 

لماذا تكتسب عبدالباقي أهمية خاصة؟

يمنح ترشيح “عبدالباقي” السباق عنصرًا جغرافيًا وسياسيًا إضافيًا، فهي إكوادورية من أصول لبنانية، وتقدم نفسها باعتبارها شخصية تجمع بين تجربتين إقليمّيتين مختلفتين، أميركا اللاتينية والشرق الأوسط.

 

وتحاول المرشحة كذلك الاستناد إلى تجربتها في التوسط بين أطراف متخاصمة، وهي خبرة تكتسب أهمية في سباق لمنصب يقع صاحبه في قلب ملفات النزاعات الدولية والتفاوض بين الدول.

 

هذه العناصر ستحتاج إلى أن تتحول من نقاط قوة شخصية إلى دعم سياسي فعلي داخل مجلس الأمن، وهو ما لا يمكن قياسه من الترشيح وحده. فالمنافسة دخلت مرحلة تحتاج فيها الأسماء إلى بناء تحالفات، وليس فقط تقديم سير ذاتية وخبرات سابقة.

 

النساء يتقدمن إلى الواجهة

ومن اللافت في السباق الحالي أن خمس نساء يخضن المنافسة على المنصب في مقابل ثلاثة رجال، وهو تغير يضيف بعدًا آخر إلى عملية الاختيار المقبلة.

ومع طرح أسماء مثل جرينسبان، وباشليه، وإسبينوسا، ورودريجيز-بيركيت، وعبدالباقي، تبدو مشاركة النساء جزء أساسيا من المشهد، في وقت تحظى فيه قضايا تمثيل المرأة والتوازن بين الجنسين باهتمام متزايد داخل المؤسسات الدولية.

 

في المقابل هناك عوامل أخرى، من بينها التوازن الجغرافي، والخبرة الدبلوماسية، والعلاقات مع القوى الكبرى، وقدرة المرشح على إدارة منظمة دولية تواجه أزمات سياسية وتمويلية وانقسامات متزايدة.

 

ومن هنا، فإن ارتفاع عدد المرشحات قد يجعل فكرة اختيار امرأة للأمانة العامة أكثر حضورًا في النقاش، لكنه لا يلغي الحسابات السياسية التي تحكم القرار النهائي.

 

التصويت أم التوافق

يكشف انتقال السباق إلى مرحلة التصويت الاستطلاعي أن المعركة بدأت تتحول تدريجيًا من إعلان الترشيحات إلى اختبار القدرة على حشد الدعم.

 

وفي هذه المرحلة، لن يكون المطلوب من المرشحين إقناع الدول ببرامجهم فقط، وإنما إثبات قدرتهم على العمل بين أطراف دولية متعارضة المصالح. وهذا تحديدًا ما يجعل موازين مجلس الأمن أكثر أهمية من عدد المرشحين أو شهرتهم.

 

وتبقى نتيجة الجولة الأولى لصالح جرينسبان مؤشرًا أوليًا، لا نتيجة نهائية، خصوصًا أن دخول عبدالباقي لاحقًا يوسع دائرة المنافسة ويمنح الدول فرصة لإعادة تقييم خياراتها قبل الجولات المقبلة.

 

منظمة منقسمة وأمين عام أمام مهمة أصعب

ولا يأتي السباق على خلافة “جوتيريش” في ظروف طبيعية بالنسبة إلى الأمم المتحدة. 

فالمنظمة تواجه انقسامات سياسية بين القوى الكبرى، إلى جانب صعوبات تمويلية تضغط على قدرتها على تنفيذ برامجها والتعامل مع الأزمات الدولية المتزامنة.

 

ولهذا فإن اختيار الأمين العام المقبل لن يكون مجرد اختيار لشخصية إدارية تقود الجهاز الدولي، وإنما اختيار لشخصية يُنتظر منها التعامل مع بيئة دولية شديدة الاستقطاب، ومحاولة الحفاظ على مساحة للحوار بين الدول في وقت تتراجع فيه فرص التوافق حول العديد من الملفات.

 

وتكتسب خبرة المرشحين في التفاوض والوساطة وإدارة العلاقات الدولية وزنًا أكبر، لأن الأمين العام المقبل سيواجه منظمة تحتاج إلى استعادة قدرتها على التحرك في ملفات النزاعات، وفي الوقت نفسه الحفاظ على تماسك مؤسساتها في ظل الضغوط المالية والسياسية.

 

سباق يتجاوز اختيار اسم جديد

بدأت عملية الاختيار مبكرًا مع طرح مجموعة من الأسماء، قبل أن ينتقل السباق إلى مرحلة أكثر وضوحًا مع التصويت الاستطلاعي داخل مجلس الأمن.

وكانت الجولة الأولى بمشاركة سبعة مرشحين، كأول اختبار لموازين القوة داخل المجلس، وأظهرت تقدم “جرينسبان”، لكنها لم تمنحها تفويضًا نهائيًا، كما لم تغلق الباب أمام بقية الأسماء.

 

ومع إضافة “عبدالباقي” إلى القائمة، أصبحت المنافسة تضم ثمانية أسماء، بينما لا يزال باب الترشيحات مفتوحًا، ما يعني أن شكل السباق قد يتغير مرة أخرى قبل الوصول إلى المرحلة النهائية.

 

ويبقى العامل الحاسم هو مجلس الأمن؛ فحتى المرشح الذي يستطيع جمع دعم واسع بين أعضاء الأمم المتحدة سيظل بحاجة إلى عبور البوابة الأصعب داخل المجلس، حيث تستطيع إحدى القوى الخمس الدائمة العضوية إيقاف ترشيحه.

 

الحظوظ الأوفر 

من المرجح أن يظل استمرار المنافسة بين الأسماء الحالية مع دخول مرشحين جدد قبل إغلاق باب الترشيحات، وهو ما قد يؤجل تبلور المرشح الأكثر حظًا إلى جولات التصويت المقبلة.

 

أما في حال تحول تقدم جرينسبان في الجولة الأولى إلى أفضلية أكثر ثباتًا، مما يمكنها من الحفاظ على موقعها وجمع دعم إضافي من أعضاء المجلس، مع تجنب اعتراض أي من القوى الخمس.

وفي المقابل، يبقى سيناريو صعود مرشح آخر قائمًا إذا تمكن من بناء توافق أوسع بين الدول، خاصة إذا تحولت المنافسة إلى البحث عن شخصية تستطيع الحصول على قبول متوازن من القوى الكبرى بدلًا من الاكتفاء بالحصول على العدد الأكبر من الأصوات.

 

واقعيا تبقى ريبيكا جرينسبان صاحبة أفضلية أولية بعد تصدرها الجولة الأولى من التصويت الاستطلاعي، لكن هذه الأفضلية لا تكفي للقول إنها حسمت لها الأمانة العامة. 

 

ومع دخول إيفون عبدالباقي إلى السباق، إلى جانب استمرار باب الترشيحات، يعني أن المنافسة ما زالت مفتوحة، وأن الجولات المقبلة ستكون أكثر أهمية في تحديد ما إذا كان التقدم الأولي لجرينسبان سيتحول إلى توافق دولي، أم أن السباق سيشهد إعادة ترتيب كاملة للأوراق.

الاخبار العاجلة