
بقلم: د. وجدي صادق
في مواسم الإنتخابات، لسنا بحاجة إلى برامج ولا رؤى ولا خطط إنقاذ؛ كل ما نحتاجه هو زرّ بحث… ثم نقرة على «الأرشيف». فما إن يترشّح أحدهم، حتى يطلّ علينا بوجه جديد، ولسان مصقول، وذاكرة مصابة بفقدانٍ إنتقائي، كأن تاريخه صفحة بيضاء وُلدت صباح المؤتمر الصحافي. المرشّح عندنا كائن موسمي، يتبدّل مع الفصول؛ في الأرشيف كان شيئاً، وعلى المنبر صار شيئاً آخر. بالأمس كان خطيب جبهة، واليوم حمامة سلام.
كان يصرخ، فصار يهمس. كان يُقسم، فصار «يتفهّم». وكان الفشل… إنجازاً لم يُفهم بعد!. الأرشيف، هذا العدوّ اللدود، لا يحبه المرشّحون؛ لأنه لا يجامل، لا ينسى، ولا يحذف منشوراً قديماً. الأرشيف يتذكّر حين ينسى الجميع، ويعرض الحقائق بلا فلاتر ولا موسيقى خلفية.
لذلك، يطالبنا المرشّحون ضمناً أن نُحسن الظن، ونُسيء الذاكرة، ونصوّت بالقلب لا بالعقل. يقول لك: «لا تحاسبوني على الماضي»، وكأن الماضي كان هواية لا مسؤولية، وكأن الوعود السابقة كانت قصائد لا عقوداً أخلاقية مع الناس، وكأن الخراب الذي نعيشه هبط من السماء، لا من سياسات محفوظة في الأرشيف حرفاً حرفاً.
المضحك المبكي، أن بعضهم يتحدث عن «التغيير»، وهو نفسه مُدرج في الأرشيف تحت بند؛ مُجرَّب ولم ينجح. لكن لا بأس… يعيد الترشّح بإسم جديد، وشعار جديد، وصورة مُعاد تدويرها. أما الفكرة؟ فقديمة قِدم الفشل نفسه، ومن كان «المجرَّب مجرَّباً كان عقله مُخرَّباً». لذلك، قبل أن نرشّح المرشّحين، فلنرشّح الأرشيف إلى الواجهة. إقرأوا، فتّشوا، دقّقوا، اسألوا: ماذا قال؟ ماذا فعل؟ ماذا وعد؟ وماذا أنجز؟. فالأوطان لا تُدار بالخطابات، ولا تُنقذ بالذاكرة المثقوبة. أرشفوا أرشيف المرشّحين، لا إنتقاماً… بل وقاية. فمن يخجل من تاريخه، لا يُؤتمن على مستقبلنا.
*كاتب المقال: إعلامي لبناني.
