هل أصبح الأمن الاقتصادي أهم من الأمن العسكري؟

منذ ساعة واحدةآخر تحديث :
علي الدكروري
علي الدكروري

بقلم: د. علي الدكروري يكتب

لفترات طويلة، كان مفهوم الأمن مرتبطًا بالحدود والجيوش والتوازنات العسكرية.
وكانت قوة الدول تُقاس بحجم قدراتها الدفاعية، ومدى قدرتها على حماية أراضيها من التهديدات المباشرة.

لكن العالم اليوم تغيّر بشكل واضح.

الأزمات الأخيرة أثبتت أن الخطر لم يعد عسكريًا فقط، بل أصبح اقتصاديًا أيضًا، وربما أكثر تأثيرًا في بعض الأحيان.
دول تمتلك جيوشًا قوية، لكنها تعرضت لهزات كبيرة بسبب اضطرابات الطاقة، أو نقص الغذاء، أو تعطل سلاسل الإمداد، أو ارتفاع معدلات التضخم.

وهنا بدأ يظهر مفهوم جديد للقوة:
“الأمن الاقتصادي”.

الأمن الاقتصادي لم يعد رفاهية أو ملفًا ثانويًا، بل أصبح جزءًا أساسيًا من الأمن القومي للدول.
فالدولة التي لا تستطيع تأمين غذائها، أو طاقتها، أو احتياجاتها الصناعية، تظل معرضة للضغط مهما كانت قوتها العسكرية.

ما نشهده اليوم من سباق عالمي على الطاقة، والمعادن، والموانئ، وخطوط النقل، ليس مجرد تنافس اقتصادي تقليدي، بل صراع على النفوذ والاستقرار طويل المدى.

العالم لم يعد يتحرك فقط وفق منطق السلاح، بل وفق منطق “من يملك الموارد… ومن يسيطر على تدفقها”.

ولهذا أصبحت سلاسل الإمداد قضية أمن قومي، وأصبح تعطّل ميناء أو أزمة شحن عالمية قادرًا على التأثير في اقتصادات دول بأكملها.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية المنطقة العربية والإفريقية بشكل متزايد.
المنطقة تمتلك عناصر قوة حقيقية: موقع جغرافي استراتيجي، موارد طبيعية ضخمة، ممرات بحرية مؤثرة، وأسواق واعدة.

لكن امتلاك الموارد وحده لا يكفي.

القوة الحقيقية تكمن في القدرة على تحويل هذه الموارد إلى قيمة اقتصادية مستدامة، من خلال الصناعة، والتكنولوجيا، والاستثمار في الإنسان، وبناء اقتصاد قادر على الصمود أمام الأزمات.

ومن هنا، تظهر أهمية الدور المصري في المرحلة الحالية.
مصر لا تتحرك فقط من منظور اقتصادي تقليدي، بل من خلال رؤية تسعى إلى تعزيز الاستقرار، وتطوير البنية التحتية، وتأمين موقعها كمركز إقليمي للطاقة والنقل والخدمات اللوجستية.

وفي هذا الإطار، برزت خلال السنوات الأخيرة رؤية مصرية أكثر انفتاحًا تجاه القارة الإفريقية، تقوم على تعزيز التعاون الاقتصادي والتنموي، وإعادة بناء جسور الشراكة مع الدول الإفريقية على أسس المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.

وقد لعب فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسي دورًا واضحًا في دعم هذا التوجه، سواء من خلال تعزيز الحضور المصري داخل القارة، أو عبر التركيز على ملفات البنية التحتية، والطاقة، والربط الإقليمي، والتعاون الاقتصادي مع الدول الإفريقية.

كما ساهمت التحركات المصرية في إعادة التأكيد على أهمية العمق الإفريقي لمصر، ليس فقط من المنظور السياسي، بل أيضًا باعتباره امتدادًا استراتيجيًا يرتبط بالأمن والاستقرار والتنمية المشتركة.

وفي ظل التحديات الاقتصادية العالمية الحالية، أصبحت العلاقات المصرية الإفريقية تمثل عنصرًا مهمًا في بناء شراكات أكثر توازنًا واستدامة داخل القارة.

كما أن موقع مصر الجغرافي، ووجود قناة السويس، يمنحانها أهمية خاصة في عالم أصبحت فيه حركة التجارة والطاقة جزءًا مباشرًا من معادلات الأمن الدولي.

وفي إفريقيا أيضًا، بدأت كثير من الدول تدرك أن المستقبل لن يكون فقط لمن يمتلك الموارد، بل لمن يستطيع إدارتها بذكاء، وبناء شراكات تحقق المصالح المشتركة بدلًا من الاعتماد الكامل على الخارج.

الحروب القادمة قد لا تبدأ بالدبابات…
بل قد تبدأ بأزمة غذاء، أو نقص طاقة، أو اضطراب اقتصادي واسع.

ولهذا، فإن الدول التي تستثمر اليوم في اقتصادها، وصناعتها، وأمنها الغذائي، لا تبني فقط مستقبلًا اقتصاديًا… بل تبني خط دفاعها الحقيقي.

خلاصة الدكروري:

في عالم اليوم، قد تحميك القوة العسكرية من التهديد المباشر…
لكن الأمن الاقتصادي هو ما يضمن استمرار الدولة واستقرارها على المدى الطويل.

 

*كاتب المقال: رجل أعمال مصري.

الاخبار العاجلة