الحوار يكشف العقول ؛؛؛ لا الأصوات

منذ ساعة واحدةآخر تحديث :
مصطفى زكريا
مصطفى زكريا

بقلم: مصطفى زكريا

ليست كل المعارك تُخاض بالسلاح، فبعضها يبدأ بجملة.
وليس كل الناس يُعرفون بالمواقف الكبرى، فبعض الشخصيات تكشفها أول دقائق من الحوار.

ولهذا كانت السخرية الذكية التي نُسبت إلى “مارك توين” عميقة المعنى حين قال:
“لم أدرس الطب البيطري .. ولكني أعرف الحمار من أول نقاش”

ورغم قسوة التعبير؛ إلا أن المغزى لا يتعلق بالإهانة بقدر ما يتعلق بفكرة أعمق:
أن الحوار الحقيقي يفضح مستوى الوعي، وطريقة التفكير، وحدود الإدراك، مهما حاول البعض إخفاءها بالمظاهر أو الكلمات المنمقة.

ففي أول نقاش؛ تستطيع أحياناً أن تكتشف الفرق بين إنسان يناقش ليصل إلى الحقيقة، وآخر يناقش فقط ليثبت أنه لا يخطئ.
بين من يسمع ليفهم، ومن يسمع فقط ليستعد للرد.
بين عقلٍ مرن يحترم الاختلاف، وعقلٍ مغلق يرى أن أي رأي مخالف هو تهديد شخصي.

المشكلة أن بعض البشر لا يدخلون الحوار بعقلية البحث عن الأفضل، بل بعقلية الانتصار المؤقت .. فيتحول النقاش من تبادل أفكار إلى استعراض صوت، ومن محاولة للفهم إلى محاولة لإلغاء الآخر.

وهنا تظهر واحدة من أخطر أزمات عصرنا:
أن كثيرين تعلموا الكلام .. لكن قليلين تعلموا الحوار.
فالحوار ليس ارتفاع صوت، ولا سرعة رد، ولا قدرة على السخرية من الآخرين.
الحوار الحقيقي يحتاج اتزانا ً، وثقة بالنفس، وقدرة على الاعتراف بأن الإنسان قد يتعلم حتى ممن يختلف معه.

أما ضعيف الحجة؛ فعادة ً ما يلجأ إلى ثلاثة أشياء:
التقليل من الآخرين، أو المقاطعة، أو تحويل النقاش إلى هجوم شخصي .. لأنه يشعر في داخله أن الفكرة وحدها لا تكفيه.
ولذلك؛ فإن أول دقائق النقاش تكشف أحيانا ً ما تُخفيه سنوات من المجاملات.
تكشف من يحمل عقلا ً منظما ً،
ومن يحمل غضبا ً متنكرا ً في صورة رأي.
تكشف من يملك وعيا ً، ومن يملك فقط رغبة دائمة في إثبات ذاته ولو على حساب المنطق والاحترام.

المفارقة أن الإنسان الحقيقي لا يخشى الحوار، لأنه لا يرى في الاختلاف إهانة.
أما من يعاني هشاشة داخلية؛ فإنه يتعامل مع أي رأي مختلف كأنه اعتداء على وجوده نفسه.

ولهذا؛ فبعض النقاشات لا تنتهي لأن الحقيقة غائبة، بل لأن الأنا أعلى من العقل.

وفي النهاية ؛؛
ليس المهم أن تكسب كل نقاش، بل أن تخرج منه دون أن تخسر احترامك، أو أخلاقك، أو قدرتك على الإنصات.
فالعقول الراقية تُعرف بهدوئها أما الضجيج؛ فغالبا ً ما يكون محاولة لإخفاء فراغٍ لا أكثر.

الاخبار العاجلة