القدر والظروف.. بين الحقيقة وشماعة الهروب

منذ ساعة واحدةآخر تحديث :
مصطفى زكريا
مصطفى زكريا

بقلم: مصطفى زكريا

من أسهل ما يفعله الإنسان حين يفشل، أن يبحث عن شماعة يعلّق عليها أسباب سقوطه.
مرة ً باسم “الظروف”، ومرة ً باسم “الحظ”، وأحيانا ً باسم “القدر”.
وكأن الإنسان لا دور له، ولا قرار، ولا مسئولية، بل مجرد ضحية تتحرك داخل عالمٍ مغلق لا يملك فيه شيئا ً.

لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير .. فالقدر ليس مبررا ً للكسل، ولا الظروف عذرا ً دائماً للتراجع.
نعم ؛ قد يمر الإنسان بظروف قاسية، وقد يتعرض لعوائق لا يملك تغييرها، وقد تتفاوت الفرص بين الناس بصورة ليست عادلة دائما ً، لكن الفارق الحقيقي يظهر في طريقة التعامل مع تلك الظروف، لا في وجودها.
فبين الناس من تتحول المحنة عنده إلى دافع، ومن تتحول عنده إلى نهاية.
وبينهم من يرى في التعثر درساً ومن يراه حكما ً مؤبدا ً بالفشل.

ولو كانت الظروف وحدها تصنع المصير، لما خرج ناجح من بيئة فقيرة، ولا نهض إنسان بعد سقوط، ولا استطاع أحد أن يغيّر حياته رغم ما مرّ به من أزمات.

المشكلة ليست في الاعتراف بوجود الظروف، فهذا أمر واقعي ومنطقي، بل في تحويلها إلى مبرر دائم لإعفاء النفس من أي مراجعة أو تطوير أو محاولة جديدة.

أحيانا ً يخسر الإنسان لأنه تأخر،
أو تكاسل، أو أحاط نفسه بالأشخاص الخطأ، أو رفض التعلم، أو ظن أن الأمنيات تكفي دون عمل .. لكن الاعتراف بهذا يحتاج شجاعة لا يملكها الجميع، لذلك يكون الهروب إلى “القدر” أسهل من مواجهة النفس.

والأخطر من ذلك ؛ أن بعض الناس لا يكتفون باستخدام الظروف لتبرير إخفاقاتهم، بل يستخدمونها أيضا ً لتبرير أخطائهم تجاه الآخرين، وكأن القسوة أو التقصير أو الفوضى أصبحت نتيجة طبيعية للحياة، لا اختيارات يتحمل الإنسان مسئوليتها.

الحياة ليست عادلة دائما ً، وهذه حقيقة .. لكنها أيضا ً لا تغلق أبوابها بالكامل أمام من يحاول بصدق، ويتعلم، ويصبر، ويُعيد ترتيب نفسه بعد كل سقوط.

فالقدر نؤمن به نعم؛ لكن الإيمان الحقيقي بالقدر لا يعني الاستسلام، بل يعني أن تبذل أقصى ما تستطيع، ثم ترضى بما لا تملكه بعد ذلك.
أما تحويل القدر والظروف إلى شماعة دائمة للفشل، فهو في كثير من الأحيان ليس إيمانا ً.. بل هروب هادئ من مواجهة الحقيقة.

الاخبار العاجلة