
بقلم: لواء مصطفى زكريا
في كل مرة تشتد فيها أزمة الديون، ويزداد الضغط على الموازنة، ويشعر المواطن أن حياته تُسحب منه يوما ً بعد يوم، تظهر دعوات كثيرة بعضها يُطالب بالصبر، وبعضها يُطالب بالتقشف، وبعضها يُطالب بالبيع الكامل للأصول وكأن الوطن مخزن يُفرَّغ عند الحاجة.
لكن الحقيقة أن الأزمة ليست في “وجود الدين” وحده، بل في الطريقة التي ندير بها هذا الدين، وفي فلسفة تعاملنا معه ؛ هل نحن نسدد لكي نستمر في الدائرة نفسها ؟
أم نُعيد صياغة المعادلة لكي نخرج منها؟
من هنا يبدأ الفارق بين “المسكنات” وبين “الحلول القابلة للتنفيذ”.
فالمسكنات تُهدئ الألم يومين، ثم يعود المرض أقوى.
أما الحل الحقيقي، فهو الذي يضرب الجذر، ويُوقف النزيف، ويمنع تكرار الأزمة.
النزيف الحقيقي في ملف الدين ليس رقمه وحده، بل “فوائده”.
فوائد تُستهلك من موارد الدولة قبل أن تصل إلى المواطن.
فوائد تُجبر الحكومة على الاقتراض مرة أخرى كي تُسدد فوائد المرة السابقة !
فوائد تبتلع جزءا ً كبيرا ً من الموازنة، فتتراجع قدرة الدولة على تحسين التعليم والصحة والبنية الأساسية، وتضيق مساحة العدالة الاجتماعية، ويصبح المواطن هو من يدفع ثمن الفاتورة وحده.
لهذا؛ فإن الحل القابل للتنفيذ لا يبدأ من “تكرار السداد” ؛ بل يبدأ من “إعادة التفاوض”.
ومن هنا تأتي فكرة شديدة الواقعية، شديدة الاحترام لحق الدولة، وشديدة المنطق في التعامل مع العالم:
لا نبيع الأصول لسداد الديون، بل نُشغل الأصول لصناعة صفقة تُسقط الفوائد وتخفض أصل الدين.
الفكرة ببساطة ليست بيعا ً كاملا ً للأصول، وليست هروبا ً من الالتزامات، وليست مغامرة محسوبة على الوطن، بل هي استخدام ذكي لما تملك الدولة من أصول حقيقية، لتحويلها إلى قوة تفاوض ، لا إلى ورقة استسلام.
والسبيل الي ذلك في رأيي أن يكون من خلال نموذج واضح ومباشر وقابل للتنفيذ، يقوم على شراكة لا على بيع، وعلى تشغيل لا على تصفية:
٥٠٪ سيولة نقدية فورية و٥٠٪ حصة مشاركة للدولة في المشروعات التي ستقام على الأصول.
لكن الأهم من النسبة نفسها هو الشرط السيادي المصاحب لها:
أن تلتزم الدولة باستخدام السيولة النقدية لخدمة حل ازمة الديون وذلك من خلال التفاوض مع الدائنين على نقطتين لا ثالث لهما:
إلغاء الفائدة أو تخفيضها إلى أقل قدر ممكن ، وتخفيض كبير من أصل الدين نفسه.
وبهذا تتحول السيولة من مجرد “قيمة تُدفع” إلى “أداة تفاوض تُغيّر قواعد اللعبة”.
فنحن لا ندفع لكي نُسكِن الأزمة، بل ندفع لكي نُعيد بناء الوضع من الأساس.
الفكرة قابلة للتطبيق ، لأن الدائن في النهاية لا يريد أن يُسقط دولة، ولا يريد انهيار اقتصاد، لأنه يعلم أن سقوط الدولة يعني ضياع أمواله بالكامل، أو الدخول في سنوات طويلة من التعثر والتأجيل والمساومات القسرية.
الدائن يريد ضمانا ً، يريد يقينا ً، يريد تسوية تحفظ له جزءا ً محترما ً من حقوقه بدل انتظار مجهول.
ومن هنا ؛ فإن تقديم سيولة فورية، في مقابل شطب الفوائد أو جزء كبير منها، وخفض معتبر من أصل الدين، هو عرض منطقي ومحترف، وليس منحة ولا رجاء، بل صفقة مصالح متبادلة.
وهنا يجب أن يكون كلامنا واضحا ً أمام أنفسنا:
من غير المقبول أن ندخل أي عملية تشغيل أو مشاركة ثم تذوب السيولة في مصروفات يومية، أو تتحول إلى “ترقيع مؤقت”، ثم نعود بعد عام أو اثنين إلى نقطة الصفر.
السيولة هنا لا بد أن تدخل في مسار مغلق، مخصص حصريا ً لإعادة هيكلة الدين، وكسر عبء فوائده، وتخفيف ضغط خدمته، لأن هذا هو مفتاح تحسين حياة المواطن.
أما حصة الدولة في المشروعات المقامة على الأصول، فهي ليست رفاهية، بل ضمانة وطنية أن الدولة لم تُخرج أصولها من يدها، ولم تُفرط في ثروتها، ولم تبيع الوطن تحت ضغط اللحظة.
بل بقيت شريكا ً يملك عائدا ً مستمرا ً، ويستفيد من النمو، ويضمن أن الأصل يعمل، لا يُباع ثم يُنسى.
والأهم من ذلك كله؛ أن هذه الفكرة ليست خطة على الورق، بل يمكن تنفيذها فورا ً، بشرط واحد:
أن تتحول إدارة الأصول من “تفكير في البيع” إلى “تفكير في التشغيل”.
وأن تتحول إدارة الدين من “تفكير في السداد” إلى “تفكير في إعادة التفاوض”.
لأن الدولة حين تُخفّض الفوائد، تكون قد خففت العبء الأكبر من الموازنة.
وحين تُقلل أصل الدين، تكون قد كسرت الحلقة المفرغة.
وحين تقل خدمة الدين، تستطيع الحكومة أن تتحرك في ملفات المواطن الأساسية، لا بالكلام، بل بالفعل، بمزيد من الإنفاق على التعليم، والصحة، والحماية الاجتماعية، وتحسين الأجور، وعلى استعادة الحد الأدنى من الحياة الكريمة.
ثم تأتي الإصلاحات الهيكلية لتُكمل المشهد، لا لتكون بديلا ً عن حل أزمة الدين.
إصلاحات تعزز الإنتاج، ترفع الصادرات، تقلل الاستيراد، وتزيد تدفقات العملة الصعبة.
وبهذه المعادلة فقط، يصبح الاقتصاد قادرا ً على الوقوف، لا على الاستمرار في التعثر.
إن أخطر ما نخشاه ليس الدين ذاته؛ بل أن يتحول الدين إلى قدّر ثابت لا يمكن تغييره.
وأن يتحول المواطن إلى ضحية دائمة لدوامة لا تنتهي.
لكن الوطن الذي يملك أصولا ً، ويملك موقعا ً، ويملك سوقا ً، ويملك طاقة بشرية، لا يجوز أن يُدار بعقلية الاستسلام، بل بعقلية التفاوض والفعل.
لا نريد مسكنات كلامية.
ولا نريد خططًا ورقية تُصنع للإعلان ثم تُنسى.
نريد مسارا ً يُحسن الواقع، ويحفظ الوطن، ويضمن للمواطن كرامته.
ولذلك أقولها بوضوح:
الأصول ليست للبيع ؛؛؛ بل للتشغيل، والديون ليست قدرا ً؛ بل ملف قابل للحل إذا امتلكنا الجرأة، وأحسنّا إدارة ما نملك، وتفاوضنا بعقل الدولة لا بعقل الأزمة.
