
بقلم: د. وجدي صادق
نتفاجأ اليوم بخطابٍ سياسي مستجدّ، يصدر عن نائبٍ في البرلمان ورئيس تيارٍ لطالما عُرف بخطاباتٍ مغايرة، بل مناقِضة تماماً لما نسمعه الآن. خطابٌ يولد فجأة من رحم التناقض، ويقف على الضدّ من كل ما قيل بالأمس، وكأن الذاكرة الوطنية قصيرة، أو كأن الناس لا تحفظ المواقف ولا تُحاسب الرجال بأفعالهم.
هذا النائب نفسه، الذي كان يوماً ما منبطحاً أمام منظومةٍ حزبيةٍ راسخة، لها وجودها ونفوذها وهيمنتها على الساحة السياسية والحزبية، يبرّر ويُساير، ويتقن فنّ الصمت حيث يجب الكلام، يعود إلينا اليوم بلهجةٍ ثوريةٍ معاكسة، رافعاً راية المواجهة، ومتموضعاً فجأة في الضفة المقابلة؛ كأن التحوّل فضيلة بحدّ ذاته، لا نتيجة حسابات ومصالح.
نحن لا نجهل منطق السياسة، ولا ننكر حقّ أيّ سياسي في مراجعة مواقفه، فالتبدّل الفكري، إن كان نابعاً من قناعةٍ صادقة، يُحترم. لكن ما نشهده هنا ليس مراجعة، بل قفزة بهلوانية؛ ليس صحوة ضمير، بل تبديل أقنعة وفق إتجاه الريح وموازين القوى. إن أخطر ما في هذه الشخصية السياسية ليس تغيّر خطابها، بل ثباتها الوحيد: ثباتها على الوصولية والإنتهازية. فمواقفها لا تُبنى على مشروعٍ وطني، بل على مصلحةٍ شخصية، ولا تتحرّك بدافع القناعة، بل وفق صفقاتٍ مشبوهة وحسابات الربح والخسارة. شخصية بهذا القدر من التقلّب لا يمكنها أن تمثّل شريحةً لبنانية في البرلمان، لأن التمثيل مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون مقعداً نيابياً.
فمن لا يملك ثباتاً في الموقف، لا يُؤتمن على القرار، ومن يبدّل خطابه مع كل مرحلة، لا يصنع وطناً بل يستهلكه. لبنان لا يحتاج إلى ساسةٍ يتقنون تغيير النبرة، بل إلى رجال دولة يتقنون قول الحقيقة، ولو كانت مُكلفة. أمّا أولئك الذين يبيعون الموقف عند كل مفترق، فمكانهم الطبيعي خارج ثقة الناس، لا تحت قبّة البرلمان.
*كاتب المقال: إعلامي لبناني.
