السينما بين تشكيل الوعي وحماية الهوية

منذ ساعتينآخر تحديث :
مصطفى زكريا
مصطفى زكريا

بقلم: مصطفى زكريا

ليست كل المعارك تُخاض بالسلاح .. بعضها يبدأ بصورة وينتهي بتغيير وعي أمة كاملة.
فالأوطان لا تُنتزع فقط من حدودها الجغرافية، بل قد تُنتزع تدريجيا ً من ذاكرتها، ومن صورتها في عقول أبنائها، ومن علاقتهم النفسية بتاريخهم ورموزهم وحضارتهم.

ومن هنا؛ يصبح السؤال مشروعاً:
هل ما نشهده مؤخرا ً مجرد “حرية إبداع”؟
أم أننا أمام موجات متتالية من العبث الناعم بالهوية المصرية تحت لافتات الفن والدراما وإعادة القراءة؟
حين نتحدث عن الحضارة المصرية القديمة؛ فنحن لا نتحدث عن تاريخ محلي عابر، بل عن واحدة من أعظم الظواهر الحضارية في تاريخ الإنسانية كلها .. حضارة ما زال العالم حتى اللحظة عاجزا ً عن فك كثير من أسرارها:
في الهندسة، والفلك، والطب، والطاقة، والعمارة، والتنظيم الإداري، وعلاقة الإنسان بالكون.
حضارة أبهرت العالم كله… ثم خرج علينا من يحاول اختزالها أو إعادة تقديمها وفق سرديات دخيلة ومشبوهة، تسعى إلى فصل المصري عن جذوره، وتجريد مصر من هويتها الحضارية الأصيلة.
ولعل أخطر ما في الأمر؛ أن هذه المحاولات لم تعد تُطرح فقط عبر منصات أكاديمية هامشية أو صفحات مجهولة، بل بدأت تتسلل تدريجيا ً إلى الأعمال الفنية والسينمائية ذات الانتشار الجماهيري الواسع.
فحين يتم تقديم أعمال تلامس التاريخ والرموز المصرية الكبرى بصورة تثير الريبة، يصبح من حق المجتمع أن يتساءل:
هل نحن أمام معالجة فنية بريئة؟ أم أمام إعادة تشكيل متعمدة للصورة الذهنية؟
والمشكلة ليست في عرض “الجوانب الإنسانية” للشخصيات التاريخية؛ فكل البشر لديهم نقاط ضعف بطبيعة الحال .. لكن الكارثة تبدأ عندما يتحول العمل بالكامل إلى عملية اجتزاء وانتقاء متعمد:
تضخيم للهامشي، وتهميش للجوهري، وتقديم صورة مبتورة تقتل المعنى الحقيقي للشخصية أو الحضارة.
فعلي سبيل المثال عندما تُختزل قامة بحجم أم كلثوم في صورة إنسانة قاسية أو مدخنة شرهه أو منعزلة … مع تهميش حجمها الحضاري والفني والوطني والاستثنائي؛ فمن الطبيعي أن يشعر كثيرون أن هناك خللا ً يتجاوز الفن إلى محاولة كسر الرموز وتشويه الصورة الذهنية.

ونفس التساؤلات تُطرح اليوم حول بعض الأعمال الحديثة التي تتقاطع — بصورة مباشرة أو غير مباشرة — مع سرديات “الأفروسنتريك” التي تحاول إعادة نسب الحضارة المصرية القديمة بعيدا ً عن هويتها المصرية الأصيلة.
وهنا يجب التوقف بوضوح:
مصر دولة أفريقية جغرافياً، وهذه حقيقة لا ينكرها أحد.
لكن تحويل الحضارة المصرية إلى مادة للصراع العرقي والسياسي الحديث، ومحاولة تصوير المصريين الحاليين وكأنهم غرباء عن حضارتهم؛ ليس بحثا ً علميا ً بريئا ً، بل عبث خطير بالوعي والتاريخ.
والأخطر أن يتم تمرير هذه الرسائل عبر أدوات القوة الناعمة:
فيلم هنا ومسلسل هناك، صورة ذهنية متكررة … حتى تتحول الفكرة مع الوقت إلى “حقيقة نفسية” لدى بعض الأجيال.

ومن هنا؛ فإن القضية لم تعد مجرد خلاف فني أو نقد سينمائي عابر، بل أصبحت قضية أمن ثقافي وهوية وطنية.
ولهذا؛ فإن التعامل مع هذه الملفات لا يجب أن يظل حبيس ردود الفعل الغاضبة على مواقع التواصل، بل يحتاج إلى تحرك مؤسسي حقيقي يشمل:
تشكيل لجان علمية متخصصة تضم أساتذة التاريخ والحضارة والآثار وعلم الاجتماع والإعلام، لمراجعة الأعمال التي تتناول التاريخ المصري والرموز الوطنية ذات الحساسية الحضارية.
ووضع آليات واضحة لمحاسبة أي عمل يثبت تعمده تزوير الوقائع التاريخية، أو تشويه الرموز القومية، أو تقديم سرديات مضللة تمس الهوية الوطنية المصرية.
فحرية الإبداع لا تعني حرية العبث بالوعي الجمعي للأمم.
وحرية التعبير لا تعني الحق في تشويه تاريخ شعب أو تجريده من حضارته أو إعادة تقديمه وفق أجندات فكرية مشبوهة.

إن الدول الكبرى نفسها تعتبر حماية سرديتها التاريخية جزءا ً من أمنها القومي .. فكيف يُطلب من مصر — صاحبة أقدم حضارة موثقة عرفها التاريخ — أن تقف صامتة أمام محاولات التشويه وإعادة التفسير والتفكيك النفسي لهويتها الحضارية؟

إن المعركة الحقيقية اليوم ليست فقط على الأرض … بل على الوعي .. وليست فقط على الحاضر؛ بل على ذاكرة المستقبل.
ومن لا يحمي تاريخه بنفسه سيستيقظ يوما ً ليجده يُروى لأبنائه بصوت الآخرين.

الاخبار العاجلة