حين يُمتحَن الضمير

4 مارس 2026آخر تحديث :
وجدي صادق
وجدي صادق

بقلم: د. وجدي صادق

«لسنا مضطرّين» أم «تفضّلوا، هنا متّسعٌ لكم»؟… في ظرفٍ تنام فيه آلاف العائلات في السيارات وعلى قارعة الطرقات هرباً من الحرب، لا تعود هذه العبارة مجرّد رأيٍ عابر، بل تتحوّل إلى موقفٍ أخلاقيٍّ كامل، يكشف كيف يمكن للخوف، في لحظات الأزمات، أن يدفع بعض الناس إلى تحصين حدودهم النفسيّة بدل توسيع دوائر إنسانيّتهم.

النزوح ليس خياراً؛ فلا أحد يترك بيته وذكرياته وأمانه إلّا حين يصبح البقاء أشدّ خطراً من الرحيل. ذاك الذي ينام في سيارته مع أطفاله لا يطلب مساحةً إضافيّة، بل يطلب حدّاً أدنى من الأمان، وشيئاً من الطمأنينة. وهنا يتجلّى السؤال الحقيقي؛ أإنسانيّتنا مشروطةٌ بقدر راحتنا، أم أنّها قيمةٌ ثابتة لا تتبدّل بتبدّل الظروف؟

إنّ المجتمعات لا تقوم على القوانين وحدها، بل على روح التضامن والتكافل. والتاريخ يثبت أنّ الأدوار قد تتبدّل في لحظة؛ فمن كان آمناً اليوم قد يكون غداً باحثاً عن مأوى. وعندها، أيّ عبارةٍ نتمنّى أن نسمع؛ «لسنا مضطرّين»، أم «تفضّلوا، هنا متّسعٌ لكم»؟ ليس من العيب أن يضيق المكان، لكن العيب أن تضيق القلوب.

ومن المعيب في مثل هذه الأوضاع أن يتحوّل وجع الناس إلى فرصةٍ للإستغلال أو رفع الإيجارات أو المتاجرة بحاجات المشرّدين. إن كان لا بدّ من موقف، فليكن موقف رحمةٍ لا موقف منفعة. فلنؤجِّر البيوت بحقّ الله، بعيداً عن الجشع والطمع، ولمن يستطيع فليفتح بابه للإستضافة؛ فنحن أبناء الوطن الواحد، يجمعنا المصير قبل الجغرافيا، وتحمينا الأخوّة قبل الجدران.

وما نقدّمه اليوم لغيرنا قد يعود إلينا غداً أضعافاً في ساعة ضيق. حين نقسّم الناس إلى «نحن» و«هم»، ونقيم بيننا وبينهم حواجز الخوف، فإنّنا نُضعف المعنى الأسمى للجماعة، ونستبدل منطق المشاركة بمنطق الانكفاء. فالأخلاق لا تُقاس براحة الضمير، بل تُقاس في لحظات الإمتحان. وفي المحصّلة، ليست القضيّة في كوننا مضطرّين أم غير مضطرّين، بل في أيّ مجتمعٍ نختار أن نكون؛ مجتمع حدودٍ مغلقة… أم مجتمع قلوبٍ مفتوحة؟

*كاتب المقال: إعلامي لبناني.

الاخبار العاجلة