الأحزاب.. هل يقتصر دورها على السياسة؟

منذ ساعة واحدةآخر تحديث :
مصطفى زكريا
مصطفى زكريا

بقلم: مصطفى زكريا

يعتقد البعض أن دور الأحزاب السياسية يقتصر على خوض الانتخابات،أو تقديم المرشحين، أو مناقشة القضايا الاقتصادية والتشريعية، وكأن السياسة تعيش بمعزل عن الثقافة والهوية والوعي الوطني.
لكن الحقيقة أن الأمم لا تُبنى بالقوانين وحدها، ولا بالمشروعات الاقتصادية وحدها، بل تُبنى أيضا ً بما يحمله أبناؤها من وعي بتاريخهم، واعتزاز برموزهم، وإدراك لهويتهم الوطنية.
ولهذا؛
فإن حماية الهوية الوطنية ليست مسؤولية الدولة وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة تتحمل الأحزاب السياسية جزءا ً أصيلا ً منها.
فالحزب السياسي ليس مجرد تنظيم انتخابي يسعى إلى زيادة مقاعده في البرلمان، بل هو مدرسة لإعداد الكوادر، ومنصة لتشكيل الوعي، وجسر يربط بين المجتمع والدولة .. ومن هنا يصبح من الطبيعي أن يهتم الحزب بكل ما يتعلق بالثقافة الوطنية والتاريخ والرموز التي تشكل وجدان المجتمع.

وقد شهدت الفترة الأخيرة جدلا ً واسعا ً حول عدد من الأعمال الفنية التي تناولت شخصيات أو موضوعات ترتبط بالوجدان المصري والذاكرة الوطنية. ولم يكن سبب الجدل مجرد الاختلاف حول عمل فني أو رؤية إخراجية، بل شعور قطاع واسع من المصريين بأن بعض هذه الأعمال لم تقدم صورة متوازنة ومنصفة لما تناولته من رموز أو أحداث.
ففي فيلم “الست”، رأى كثيرون أن قامة بحجم أم كلثوم قد جرى اختزالها في مجموعة من التفاصيل والصفات الشخصية التي ركزت على جوانب محددة من حياتها، بينما تراجع إبراز دورها الحضاري والفني والوطني الاستثنائي بوصفها واحدة من أهم رموز القوة الناعمة المصرية والعربية. ولذلك شعر كثير من المشاهدين بأن الصورة المقدمة لم تعكس الحجم الحقيقي للشخصية، وأن التركيز على بعض التفاصيل الهامشية جاء على حساب القيمة التاريخية والفنية التي صنعت مكانتها في وجدان أجيال كاملة.

أما فيلم “أسد”، فقد أثار بدوره مخاوف وتساؤلات لدى كثير من المهتمين بالشأن الثقافي والتاريخي، بسبب ما اعتبره منتقدوه تقاطعا ً مع بعض السرديات التي تروج لها تيارات الأفروسنتريك، والتي تسعى إلى إعادة تفسير الحضارة المصرية القديمة بصورة تفصلها عن هويتها المصرية التاريخية المعروفة .. وبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع تلك الانتقادات، فإن حجم الجدل الذي صاحب الفيلم كشف عن حساسية المصريين تجاه أي طرح يمس تاريخهم أو هويتهم الحضارية.
وهنا يبرز السؤال الأهم ؛؛؛
أين تقف الأحزاب السياسية من كل ذلك؟
هل يقتصر دورها على متابعة المشهد من بعيد وإصدار بيانات عابرة بعد اشتعال الجدل؟ أم أن عليها دورا ً وطنيا ً أوسع يتمثل في حماية الوعي العام، والمساهمة في الدفاع عن الهوية الوطنية، والتصدي لأي محاولات قد تؤدي إلى تشويه الرموز أو إرباك الذاكرة التاريخية للمجتمع؟
إن المطلوب من الأحزاب ليس أن تتحول إلى جهات رقابية أو فنية، فهذه ليست مهمتها، وإنما أن تقوم بدورها الطبيعي في تنظيم الحوار المجتمعي حول القضايا الكبرى التي تمس الوطن وهويته.
فمن حق الأحزاب أن تعقد جلسات استماع وندوات متخصصة تضم المؤرخين وعلماء الآثار والنقاد وصناع الأعمال الفنية. ومن حقها أن تُعد أوراق موقف ودراسات علمية موثقة. ومن حقها أيضا ً أن تستخدم الأدوات البرلمانية المتاحة إذا رأت أن هناك قضية تستحق المناقشة أو التحقيق أو التوضيح أمام الرأي العام.
كما أن للأحزاب دورا ً لا يقل أهمية يتمثل في دعم الإنتاج الثقافي والفني الجاد، وتشجيع الأعمال التي تقدم التاريخ المصري بصورة دقيقة وجذابة، لأن مواجهة الرواية الضعيفة لا تكون فقط برفضها، وإنما أيضا ً بتقديم رواية أقوى منها وأكثر إقناعا ً.
إن ترك قضايا الهوية والثقافة خارج دائرة الاهتمام الحزبي يخلق فراغا ً قد تملؤه روايات مشوشة أو معلومات غير دقيقة أو قراءات منحازة، خصوصا ً في عصر أصبحت فيه المنصات الرقمية قادرة على نشر فكرة خاطئة إلى ملايين البشر خلال ساعات معدودة.

ولهذا فإن الأحزاب مطالبة اليوم بأن توسع من مفهوم العمل السياسي نفسه. فالسياسة ليست إدارة الحاضر فقط، بل حماية المستقبل أيضا ً. ولا يمكن حماية المستقبل إذا فقدت الأجيال الجديدة صلتها بتاريخها الحقيقي، أو أصبحت رموزها الوطنية محل تشكيك دائم، أو تحولت الوقائع التاريخية إلى مادة قابلة للتبديل وفقا ً لأهواء السوق أو حسابات الشهرة أو الإثارة.
كلمة أخيرة ؛؛؛
إذا كانت الأحزاب تسعى إلى بناء مستقبل أفضل للوطن، فإن أول ما يجب أن تحافظ عليه هو ذاكرة هذا الوطن .. فالأمم التي تُهمل تاريخها تفقد بوصلتها، أما الأمم التي تحمي هويتها وتعتز برموزها وتواجه التزييف بالعلم والمعرفة، فإنها تبني لنفسها مستقبلا ً أكثر قوة وثقة واستقرارا ً.
ولذلك فإن حماية الهوية الوطنية ليست مهمة ثقافية هامشية، بل واجب سياسي ووطني لا يقل أهمية عن أي ملف اقتصادي أو تشريعي أو خدمي، لأن الأوطان التي تفقد ذاكرتها .. تفقد تدريجيا ً قدرتها على حماية مستقبلها.

الاخبار العاجلة