
بقلم: جوزف الهاشم
قالوا : لا يزال السكوتُ من ذهب … والأرض تضجّ تحت الأقدام الإسرائيلية الهمجية … فوافقنا …
وقالوا : لا يزال الكلام للميدان وليس للأقلام ، “والفضلُ للسيف ليس الفضلُ للقلمِ …”
ولكن هذا ، لا يمنع عني صفةَ : الثنائي والمقاوم .
أنا ثنائي ، لأني أنا إنسان ، والإنسان في الفلسفة هو ” الأنا التي هي “أنت”…
والإنسان في اللاهوت هو ثنائي في الألوهية ، لأنه على صورة الله في الأرض …
والإنسان في اللغة هو أيضاً ثنائي ، لأنه مثنّى الإنْس …
وحدَهُ الإنسان في لبنان في الفلسفة واللاّهوت والسياسة والطائفية ، سواءٌ كان ثنائياً أو أحديّاً يسجن نفسه في حصريةِ غريزة الأنا ..
وأنا مقاوم ثنائي : مسيحي _ مسلم ، أقاوم كلّ عدوان ، والعدوان الإسرائيلي بالأخصّ ، أدافع عن وطني لبنان ، لبنان وحدَه لا شريك له ، وإن استُشْهدتُ فليكن علَمُ وطني لي كَفَناً ، وحدَه العلم لا شريك له .
لماذا هنا لا نتمثّل بالشعب الإيراني الذي على حدّة خصامِه للحكم والنظام ، حين يكون هناك خطر خارجي على الوطن يتوحّد حول العلَم .
ولماذا نحن ، كلّما اشتدَّ علينا خطر من الخارج ، بدل أن نتوحد ، ننقسم على أنفسنا حول علَمَيْن .
نعم … أنا مقاوم .
مقاومٌ من جبل الأرز ، من جبل الباروك ، من جبل عامل ، ومن رأس بيروت ، أنا في المقاومة قامةٌ وقمةٌ ورأس ولستُ ذراعاً .
وبيروت المقاومة عاصمة التاريخ ، عاصمة الحضارة ، كلية الحقوق ، وعاصمةٌ للحرس الثوري اللبناني .
أنا مقاومّ مسيحي ، يوم راح المطران : “كبّوجي” ينقل السلاح بسيارته للمقاومة ، وللمقاومة الفلسطينية ، حين كانت فلسطينية الهويّة .
وأنا مقاوم شيعي ، مع الإمام موسى الصدر في الجنوب ، ومعه حين يعتكف صائماً في ظلال الصليب لمقاومة الحرب في لبنان وعلى لبنان .
وأنا مقاومٌ سنّي ، مع مقاومة الدم الزكيّ الذي يُسكَبُ من سماحة المفتي حسن خالد شهيداً .
كمثل ما كان في استشهاد كمال جنبلاط مقاومة درزية غالية الأثمان .
المقاومة من أجل لبنان ، لا فرق عندي ، إن كانت إسلامية ، مع انحناءةِ إجلالٍ أمام شهادةِ الدم العاشورائي ، على أنّ المقاومة الإسلامية _ المسيحية مع الدولة ، هي الأقدر على المواجهة ، وهي التي أدّتْ إلى ميثاقية الإستقلال ، يوم انضمّ حزب النجّادة إلى حزب الكتائب برئاسة الشيخ بيار الجميل في مواجهة الإنتداب الفرنسي ، ولم تكن مقاومة بيار الجميل للأم الحنون ، إلاّ نابعةً من رضاعة حليب الأمومة اللبنانية العريقة ، وليس من حليب ملطَّخ من الأم بالتبنّي .
بالرغم من مآسي الحرب وفواجعها الكارثية ، دماراً ساحقاً ونزوحاً عارماً ، وشهادات بالمئات ، يخشى أن تتم النبوءَة فيكون ما بعد الحرب أخطر من الحرب ، إذا ما تعرَّض البلد للإنقلاب والدولة للإنقلاب ، والحكومة للعقاب ، بمن فيها وزراء الأخ الأكبر .
على أنَّ ما يطمئن هو عدم الخوف من التهويل بالحرب الأهلية …
بين أي أهل وأهل ستقع ما دام اللبنانيون قد اختلطوا جميعاً بفعل النزوح في بيئة واحدة ، فبات كلُّهم أهلاً لكلّهم .
ويقيني ، أنني أنا سأظلّ أنا المسيحي _ المسلم ، حتّى ولو انقلب البلد كلُّه فلا شيء يقلبني على غير ما هو عليه أنا .
*كاتب المقال: وزير لبناني سابق.
