
بقلم: حاتم عبد القادر
تعمل الحكومة اللبنانية برئاسة سلام نواف بعد تشكيلها في بدايات عام 2025 على مهمة تعد في أولوياتها لخلق توازن استراتيجي يجنبها المواجهات أو استهدافات دولة الاحتلال الإسرائيلي، كذلك الحصول على رضاء المارد الأمريكي وقوى الغرب، كما يجعلها تفوز بعدد من المساعدات المالية تبلغ 1.1 مليار دولارا أمريكيا لإنعاش الاقتصاد اللبناني، وتلك المهمة الفريدة هي تفكيك سلاح المقاومة الإسلامية في لبنان (حزب الله).
لقد سعت حكومة سلام سعيا لا تحسد عليه من أجل نزع سلاح حزب الله في إطار ما يعرف “حصر السلاح بيد الدولة”، وهو مبدأ لا يختلف عليه أحد في حالة السلم والاستقرار.
وبعد دخول لبنان في مفاوضات مباشرة مع الجانب الإسرائيلي لتسوية الأمور العالقة بين الجانبين سياسيا وعسكريا، فقد كان لنزع سلاح حزب الله أولوية قصوى لدى الجانب الإسرائيلي، حيث يعد الحزب وسلاحه هو نقطة صداع كبرى في رأس دولة الاحتلال وجيشها.
فقد قام حزب الله بتنفيذ مهمات عديدة خلال تاريخ مقاومته لجيش الاحتلال منذ تأسيس الحزب في عام 1982 برعاية وتمويل إيراني ليكون عنصرا رئيسا في محور المقاومة ضد دولة الاحتلال الإسرائيلي في المنطقة.
وبعد وفاة الأمين العام الأسبق حسن نصر الله في عملية اغتيال إسرائيلية في 27 سبتمبر 2024 قد اختلت موازين القوى على صعيد المواجهة بين لبنان ودولة الاحتلال، بل تغيرت المعادلة السياسية اللبنانية برمتها، بعد أن كان حزب الله هو الرقم الأهم والصعب في تلك المعادلة.
لقد انكسر حزب الله، وأزيلت نقطة قوته، فقد كان “نصر الله” قائدا وزعيما تريخيا للمقاومة اللبنانية، برغم كل الخلافات المذهبية والانصياع التام للدولة الإيرانية وتنفيذ مآربها في لبنان والمنطقة. كان “نصر الله: يتمتع بكاريزما غير متوفرة حتى في نخبة السياسة اللبنانية، وكان يجبر الجميع “طواعية” للاستماع إليه حين يتحدث، وحين يطرح ما يطرحه من أفكار أو مشروعات في الأجندة السياسية في لبنان، وعلى خط المواجهة مع العدو الأول للمنطقة.
واليوم، نرى الحكومة اللبنانية تتحرك وتخطو خطوات متسارعة لتنفيذ مهمة نزع سلاح حزب الله، وفق مراحل زمنية أعلنت أنها انتهت من المرحلة الأولى منها، وأنها قضت على حوالي 90% من البنية التحتية لسلاح حزب الله جنوب نهر الليطاني. وتأمل الحكومة اللبنانية الانتهاء من إتمام تفكيك سلاح حزب الله قبل نهاية ديسمبر الجاري وهي المهلة التي حددها الجانب الإسرائيلي، وإلا سيلقى لبنان ردود فعل قاسية تضاف إلى انتهاكاته واعتداءاته المتكررة والمستمرة على الأراضي اللبنانية، فهناك تهديد إسرائيلي بشن عمليات عسكرية واسعة على لبنان حال عدم الانتهاء من نزع سلاح حزب الله بنهاية ديسمبر الجاري، فلم يتبقى سوى أياما معدوددة لانتهاء المهلة المحددة.
وتشير معظم التقديرات إلى عدم إمكانية الحكومة اللبنانية من نزع سلاح حزب الله بشكل تام في المحددة من قبل الكيان الإسرائيلي، وأنها قد يتم تمديد المهلة إلى مارس 2026.
في المقابل لم يهدأ حزب الله، ولم يستسلم بسهولة، فالحزب يرى أن نزع السلاح مرهون بعدة عوامل، أهمها إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لكافة الأراضي اللبنانية، خاصة المساحات الجديدة التي استولى عليها الجيش الإسرائيلي منذ اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024، علاوة على أن “حزب الله” يرى أنه حركة مقاومة مشروعة ولها الحق في الدفاع عن الأراضي اللبنانية وقتما تطلب الأمر، ويتعلل قادة الحزب بأنهم لم يرفعوا السلاح يوما في وجه الداخل اللبناني أو أي دولة عربية.
أيضا، من وجاهة المبررات لقادة الحزب أن لبنان في الظرف الحالي وتعرضها للاعتداءات المتكررة تضع تحت بنود الفصل السابع من ميثاق منظمة الأمم المتحدة والذي يسمح لأي دولة حق الدفاع عن نفسها أفرادا أو جماعات حال تعرضها لأي انتهاكات أو اعتداءات، كما يحق لمجلس الأمن اتخاذ تدابير وقائية وتوقيع عقوبات على الدولة المعتدية.
إن مسألة نزع سلاح “حزب الله” ملف شائك، وفيها أكثر من رؤية ما بين مؤيد ومعارض، وفريق آخر يرى أن يتم الأمر وفق تفاهمات متوازنة. فقد تسرعت الحكومة اللبنانية في تنفيذ الأمر، وظهر جليا مدى الإرضاء الغربي الذي تسعى إليه لبنان في هذا الملف، خاصة حين يتعلق الأمر بسيادة لبنان وعدم قدرتها على الرد على العدوان الإسرائيلي الذي تكرر أكثر من مرة في الفترة الأخيرة، وكان “حزب الله” يقوم بهذا الدور رافعا الحرج عن الجيش اللبناني، ليبقى تساؤلا مهما، ماذا بعد انتهاء دور حزب الله؟
هل تستطيع لبنان كدولة متكاملة السيادة الحفاظ على تلك السيادة والدفاع عن أراضيها أمام هذا العدو المتغطرس؟ ولماذا لم ترد لبنان على الهجوم المتكرر من دولة الاحتلال؟
إن الأزمة التي تدور حاليا في المشهد اللبناني ما صرحت به، مؤخرا، الكتلة البرلمانية لحزب الله “الوفاء للمقاومة” والذي وصف بأنه “تحذير شديد اللهجة” تم توجيهه إلى حكومة نواف سلام، حيث وصفت الكتلة البرلمانية عملية تفكيك سلاح حزب الله بـ”الانزلاق المرفوض” لتنفيذ شروط إسرائيل المذلة، مشددة على أن الأولوية الوطنية القصوى هي إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للمناطق التي لم ينسحب منها منذ اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024ٍ.
إن الزيارة المرتقبة لرئيس حكومة دولة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الولايات المتحدة الأمريكية ولقائه الرئيس دونالد ترامب في 29 ديسمبر الجاري، على جدول أعمالها ملف تفكيك سلاح حزب، وهو ملف مماثل لتفكيك سلاح حركة المقاومة الفلسطينية “حماس”، أيضا، إعادة المواجهات العسكرية الإسرائيلية الإيرانية وهو ما يريد “نتنياهو” من خلاله الحصول على الضوء الأخضر من “ترامب” لضرب إيران مجددا، ولا شك أن هناك خطوط تماس وثيقة الصلة بين إيران وحزب الله، وبقية وكلائها في المنطقة مثل جماعة أنصار الله في اليمن “الحوثيين” و”حماس” في فلسطين، وأن الهدف الإسرائيلي هو شل القدرة العسكرية لإيران ووقف دعمها وإمداداتها لأذرع المقاومة في الدول العربية لتنفرد بالهيمنة بلا منازع في المنطقة.
