
بقلم: جوزف الهاشم
في المقال السابق بعنوان : “المونديال اللبناني” ، وتعقيباً على قول الرئيس الأميركي : “سأجعل لبنان عظيماً من جديد”، كانت خاتمة المقال :
“لبنان العظيم لا يستعيده ترامب …
ولبنان المحتلّ : لا تستعيده إيران …
بلْ ، وحدَهُ شعب لبنان العظيم عندما يكون عظيماً “.
وتعليقاً على ذلك ، وردتني رسالة هاتفية من الصديق الأستاذ محمد السمّاك يقول : “يبقى ، يا أخي الحبيب تعريف معنى أنْ تكون عظيماً”.
وبرسالة هاتفية أجبتُـهُ : “معنى أن تكون عظيماً ، يعني أن تكون :
لبنانياً … لبنانياً .؟
وعلى سبيل الإستدراج الإيجابي شاء أن يسأل مجدداً :
“وماذا يعني أن تكون لبنانياً ..؟”
فكان الجواب : “أن تكون محمّد السمّاك ..؟”
وتذكرتُ معه يوم كان مستشاراً لسماحة المفتي الشهيد حسن خالد الذي اتهمَـهُ وزير الخارجية السوري عبد الحليم خدام بأنه مفتي مدينة جونيه في كسروان لأنه جاهرَ بإنهاء الوجود السوري في لبنان .
من خلال هذه الرسائل الهاتفية الموجزة ، وهذا الإتهام السوري لمفتي الجمهورية اللبنانية ، يمكن اختصار مراحل أزمة لبنان الخانقة والحروب المتلاحقة في لبنان ، بكل خلفيَّاتها ومقدِّماتها ومغامراتها ونتائجها وويلاتها .
كل الفواجع والحروب التي تخبَّط فيها لبنان ، كانت لأن اللبناني لم يكن لبنانياً عظيماً ، ولم يكن لبنان عظيماً بـهِ ، فإذا هناك لبنانية منتقصة ، ولبنانية مجـزّأة، ولبنانية مزدوجة ، ولبنانية منتهكة ، ولبنانية مرتهنة للوصايات .
في تاريخ الأمم ، وتكوين الأمم ، ليس هناك نصف وطن ، ونصف وطنية ونصف مواطنين ، ونصف دولة ، ونصف استقلال ونصف سيادة :
النصف هنا ، يعني الخيانة .
وليس في أنظمة الأمم : دولتان في الدولة ، وجمهوريتان ، وشعبان ، وجيشان :
الإزدواجية هنا ، تعني التقسيم .
عندما انحدر مستوى الرجالات والقيادات والرئاسات والزعامات والنيابات في لبنان ، أصبحت الزعامة تستنجد حيناً بصراع المذهبيات ، وحيناً آخر بسيف مستعار لتطبيع قرار الشعب بالإغتصاب والإحتواء .
لا يستطيع أي زعيم أن يخاطب شعب لبنان العظيم ، إلا إذا كان الزعيم عظيماً ..
وعندما يصبح الزعيم أو الحزب أقوى من الدولة ، لا يعود أمام الشعب إلاّ الإنتماء مكرهاً إمَّا لدولة الحزب أو لدولة الزعيم .
في مسرحية يوليوس قيصر ، يشير شكسبير إلى الجمهور الذي قلَّبَتْـهُ الأحداث فراحت تحرّكُهُ العوامل العاطفية والأفكار والعادات وتقاليد التاريخ ، ولهذا استطاع بروتس أن يقلّب الشعب ضد يوليوس قيصر عند اغتيال .
الشعب في لبنان صادرت قراره قوانين الإنتخاب ، بعثَرَتْـه الحروب ، وحملات التكفير والتهجير والتفقير والتحقير ، وشرَّده النزوح منه ، والنزوح إليه ، فأصبح فيه شعبٌ خليطٌ ، متعدّد الألوان ، والزنجي يحمل لونه معه ، فلا حاجة لشهادة خطية تثبت أنه أسود .
إذا صحّ أن استقلال لبنان الأول كان سنة 1943 بعد انتداب فرنسي ، واستقلال لبنان الثاني سنة 1990 كان بعد انتداب سوري ، فإننا بين الإنتدابين قد أضعنا الإستقلالين ، لأننا أغفلنا بناء شعب الإستقلال ، مثلما أغفلنا بناء شعب مواجهة الحرب .
وعندما يعاني الشعب مآسي الحرب والذل ، ينصِّبُ عليه معبوداً ساخراً .
الشعب في أوائل الثورة الفرنسية حمل على الأكتاف فتاةً زانيةً من بنات الهوى إلى كنيسة نوتردام في باريس وسمّاها آلهة العقل .
الشعب اللبناني العظيم يا أخي محمد السمّاك .
هو الذي : شبَّتْ على يديه الأمم …
وانتشرتْ على راحتيه الحضارة …
وانطلقت على لسانه الكلمة …
وترعرت في أحضانه العروبة …
مثلما رضَع الفكر العالمي من ثـدي بيروت …
أَرجِعْ لنا ما كان ، يا دهرُ في لبنان ، يرجعْ لبنانُ عظيماً .
*كاتب المقال: وزير لبناني سابق.
