حين سبح الآلاف نحو سبتة ؛؛؛ من الذي حرّك الموجة؟

منذ ساعة واحدةآخر تحديث :
مصطفى زكريا
مصطفى زكريا

بقلم: لواء مصطفى زكريا

ليست كل الحشود تتحرك من تلقاء نفسها، وليست كل الأحداث الكبرى تُفسَّر بما يبدو على سطحها .. ففي السياسة، كما في التاريخ، قد يكون المشهد هو أقل أجزاء الحقيقة وضوحا ً، بينما تكمن القصة الحقيقية فيما سبق وقوعه، وفي توقيته، وفي القوى التي تفاعلت حتى صنعت لحظته.
من هنا، فإن ما شهدته مدينة سبتة الإسبانية من اندفاع آلاف المهاجرين سباحة ً من السواحل المغربية نحو المدينة خلال أيام قليلة، لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد موجة جديدة من الهجرة غير الشرعية، بل باعتباره حدثا ً يتجاوز حدوده الجغرافية ليطرح أسئلة أعمق تتعلق بصناعة الحشود، وآليات التأثير، وكيف يمكن أن تتحول أزمة محلية في لحظة واحدة إلى قضية إقليمية ودولية.
لقد اعتاد العالم أن يرى أفرادا ً يخاطرون بحياتهم بحثا ً عن فرصة أفضل، أما أن يتحرك آلاف الأشخاص في توقيت متقارب، وبالأسلوب نفسه، ومن مناطق متشابهة، فهنا يتراجع الخبر إلى الخلف، ويتقدم السؤال إلى الواجهة:
من الذي حرّك هذه الموجة؟
قد تبدو الإجابة الأولى سهلة: فالفقر، والبطالة، وضيق الأفق الاقتصادي، واليأس من المستقبل، كلها أسباب تدفع كثيرا ً من الشباب إلى التفكير في الهجرة، ويضاف إلى ذلك نشاط شبكات تهريب البشر، وما رافق الحدث من شائعات ورسائل متداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي أوحت لكثيرين بأن العبور أصبح ممكنا ً وأكثر أمانا ً مما هو عليه في الواقع.
كل ذلك صحيح، ولا يجوز تجاهله.
لكنه يفسر الرغبة في الهجرة، ولا يفسر وحده تزامن قرار الهجرة لدى هذا العدد الكبير، وفي هذا التوقيت تحديدا ً.
وهنا تنتهي حدود الخبر … ويبدأ دور التحليل.
فالتحليل السياسي لا يبدأ بإنكار الأسباب الاقتصادية والاجتماعية وإنما يبدأ بعد استنفادها ليسأل: لماذا تحولت هذه الأسباب، الموجودة منذ سنوات، إلى موجة جماعية الآن؟
وما الذي جعل آلاف الأشخاص يتحركون وكأنهم استجابوا لإشارة واحدة، رغم أنهم لا تجمعهم قيادة واحدة ولا تنظيم واحد؟

وهنا يفرض التوقيت نفسه على أي قراءة جادة.
فإسبانيا لم تكن خلال الأشهر الأخيرة مجرد دولة أوروبية تدير ملف الهجرة، بل برزت بمواقف سياسية واضحة في عدد من القضايا الدولية، وفي مقدمتها موقفها من الحرب في غزة، كما اتخذت مواقف متمايزة في بعض الملفات التي شهدت تبايناً داخل المعسكر الغربي. ولا يعني ذلك أن ما جرى في سبتة كان نتيجة مباشرة لهذه المواقف، فمثل هذا الادعاء يحتاج إلى أدلة لا تتوافر حتى الآن .. لكن تجاهل هذا التزامن أيضا ً، وكأنه بلا دلالة ولا يستحق حتى مجرد التساؤل، لا ينسجم مع منهج التحليل السياسي الرصين.
فالسياسة لا تُقرأ بما وقع فقط، وإنما أيضا ً بتوقيت وقوعه، وبالظروف التي أحاطت به، وبالنتائج التي ترتبت عليه، وبالجهات التي استفادت منه، سواء كانت قد خططت له، أو وجدت فيه فرصة أحسنت استغلالها بعد وقوعه.

وفي السياسة، ليست كل المصادفات بريئة، كما أن ليست كل التزامنات دليلا ً .. وبين هذين الطرفين توجد مساحة واسعة اسمها التحليل؛ وهي مساحة لا تبحث عن إطلاق الاتهامات، بل عن فهم العلاقات بين الأحداث، وطرح الأسئلة التي قد تكشفها الأيام لاحقا ً.

ولعل أخطر ما كشفته هذه الواقعة أن الحشود في القرن الحادي والعشرين لم تعد تحتاج دائما ً إلى قائد يعتلي منصة، أو تنظيم يوزع المنشورات، أو غرفة عمليات تدير المشهد؛ فقد أصبحت رسالة تنتشر في الوقت المناسب، أو شائعة تجد بيئة قابلة لتصديقها، أو حملة رقمية محكمة، قادرة على دفع آلاف البشر إلى اتخاذ القرار نفسه في وقت واحد .. وهنا لم تعد وسائل التواصل مجرد أدوات لنقل المعلومات، بل أصبحت أدوات لتشكيل السلوك الجماعي، وصناعة موجات بشرية قد تتجاوز في تأثيرها كثيرا ً من أدوات الضغط التقليدية.
لكن المسؤولية تقتضي ألا نكتفي بالنظر إلى البحر، بل أن ننظر أيضا ً إلى ما كان يجري على اليابسة قبل أن يبدأ الناس السباحة!
فقد تكشف الأيام من الذي حرّك الموجة، وقد تثبت أنها كانت مجرد تفاعل طبيعي لعوامل اقتصادية واجتماعية وتقنية. وقد تكشف أيضا ً أن أطرافا ً ما أحسنت استغلال تلك العوامل لتحقيق أهداف تتجاوز الهجرة نفسها. وحتى يحسم الدليل هذه الأسئلة، يبقى من حق الكاتب، بل من واجبه، أن يطرحها، ويبقى من حق القارئ أن يفكر فيها.
فالتاريخ يعلمنا أن بعض الأحداث تبدأ بقارب، ثم تنتهي بتغيير في السياسات، وأن بعض الرسائل لا تُكتب في البيانات الرسمية، بل تكتبها حركة البشر نفسها . ولذلك، فإن السؤال الذي سيبقى بعد أن تهدأ الأمواج ليس:
كم شخصا ً عبر البحر؟
بل: من الذي حرّك الموجة … ولماذا الآن؟

الاخبار العاجلة