حين يصبح الطفل عائلا ً للأسرة!

منذ ساعتينآخر تحديث :
مصطفى زكريا
مصطفى زكريا

أطفال مكانهم الطبيعي المدرسة، أو ملعب صغير يركضون فيه خلف كرة، أو بيت يمنحهم الأمان حتى يكبروا. لكننا نراهم كل صباح على الطرق، وبين الحقول، وفي الورش والمصانع، يعملون بأجساد صغيرة من أجل يومية قد لا تتجاوز مائة جنيه.
والمشهد سهل الإدانة إذا نظرنا إليه من بعيد، نستطيع أن نسأل الأب: كيف دفعت بابنك إلى العمل؟
وأن نسأل الأم: كيف رضيت لابنتك أن تقضي يومها في مصنع أو محطة تعبئة بدلا ً من المدرسة؟
لكن السؤال الأصعب، وربما الأكثر عدلا ً هو:
ما الذي أوصل أسرة إلى أن تصبح مائة جنيه يجلبها طفل ضرورة لا تستطيع الاستغناء عنها؟
حين يصبح دخل الطفل جزءا ً من ميزانية البيت، فنحن لسنا أمام مشكلة طفل يعمل فقط، وإنما أمام أسرة لم يعد دخل الكبار فيها كافيًا لحماية الصغار من العمل .. وهنا تكمن المأساة الحقيقية.
فالطفل الذي يخرج إلى العمل لا يخسر ساعات من يومه فحسب، بل قد يخسر تعليمه، وصحته، وأمانه، وربما مستقبله كله. والأسوأ أننا اعتدنا المشهد حتى أصبح الطفل في الورشة، أو فوق عربة نقل، أو بين الحقول، جزءا ً عاديا ً من الصورة، مع أن وجوده هناك يجب ألا يكون عاديا ً أبدا ً.
لكن القضية لا تتوقف عند الأطفال؛ ففي مصانع كثيرة، ومحطات التعبئة والفرز والتغليف، والمزارع والورش، تعمل أعداد كبيرة من الفتيات والشباب والرجال والنساء بنظام اليومية أو العمل المؤقت، يذهبون صباحا ً، يؤدون العمل نفسه الذي يؤديه العامل الدائم، ويتعرضون للمخاطر نفسها، ثم يعودون في نهاية اليوم بأجرهم، دون عقد يحميهم، أو تأمين اجتماعي يضمن مستقبلهم، أو مظلة صحية تحميهم إذا أصيبوا أو مرضوا.

وهنا يجب أن نفرق بوضوح بين أمرين: عمالة الأطفال لا ينبغي أن نبحث لها عن غطاء تأميني يضفي عليها شرعية، بل يجب أن نواجه أسبابها ونحمي الطفل منها ونعيده إلى مكانه الطبيعي في التعليم .. أما العاملون والعاملات البالغون باليومية والعمل المؤقت، فهؤلاء من حقهم ألا يبقوا خارج منظومة الحماية لمجرد أن طبيعة عملهم غير دائمة.

ولذلك ربما آن الأوان لأن تدرس الدولة إنشاء مظلة تأمينية إلزامية ومبسطة للعمالة اليومية والمؤقتة، يساهم فيها صاحب العمل عن كل عامل وعن أيام تشغيله الفعلية، دون أن يكون العقد الدائم شرطا ً للحصول على أبسط حقوق الحماية الاجتماعية. فالتكنولوجيا التي أصبحت تدير الضرائب والفواتير والمدفوعات قادرة أيضا ً على إنشاء نظام بسيط يسجل العامل المؤقت ويحفظ حقه دون تعقيدات بيروقراطية.
فالدولة التي تستطيع أن تعرف حجم نشاط المنشأة، وتحصل منها على الضرائب والرسوم، تستطيع أيضا ً أن تعرف كم عاملا ً يعمل داخلها، وأن تلزم صاحبها بالمساهمة في حمايتهم.
إن القضية أكبر من صورة طفل يحمل صندوقا ً أثقل من ذراعيه، أو فتاة تقضي عشر ساعات في محطة تعبئة مقابل أجر يومي محدود ؛ إنها قضية عدالة اجتماعية، ومسؤولية دولة، وحق إنسان يعمل في ألا يظل طوال عمره خارج كل مظلة للحماية.
من هنا يأتي النداء إلى الحكومة وإلى الأحزاب وهيئاتها البرلمانية، وإلى نواب الشعب، بأن يفتحوا هذا الملف بجدية، من خلال طلبات الإحاطة والمناقشات البرلمانية، وصولا ً إلى تشريع أو نظام ملزم يحمي العمالة اليومية والمؤقتة، بالتوازي مع مواجهة حقيقية لأسباب عمالة الأطفال.
فالفقر قد يجبر أسرة على اتخاذ قرار لم تكن تتمناه، لكن مسؤولية المجتمع والدولة أن يمنعا وصولها إلى اللحظة التي يصبح فيها طفلها هو الحل.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لطفل ليس أن يولد في أسرة فقيرة؛ بل أن يصبح هو المسؤول عن إنقاذها من الفقر.

الاخبار العاجلة