الشيخ حسني.. أنا فاهم كل حاجة!

منذ ساعة واحدةآخر تحديث :
طارق هلال
طارق هلال

بقلم: دكتور طارق هلال 

 

 

في فيلم «الكيت كات»، لم يكن الشيخ حسني مجرد رجل كفيف يسير في الحارة بعصاه… الشيخ حسني كان حالة كاملة! رجل لا يرى شيئاً بعينيه، لكنه يتعامل مع الدنيا وكأنه يرى كل شيء. يعرف من تحرك، ومن جلس، ومن قال، ومن فعل… ويملك تعليقاً على كل شيء، ورأياً في كل شخص، وتحليلاً لكل موقف.

المفارقة أن الشيخ حسني كان يعرف أنه كفيف…أما المشكلة الحقيقية، فهي في الذين يشبهونه في الواقع، ولا يعرفون أنهم لا يرون!. هؤلاء أخطر من الشيخ حسني بكثير. لأن الشيخ حسني كان يؤدي دوره في فيلم…أما هم، فيؤدون أدوارهم في حياتنا!

تجد واحداً يتحدث عن حياة المشاهير وكأنه يعيش معهم تحت سقف واحد. يعرف لماذا تزوج هذا الفنان، ولماذا انفصل، ومن يحب، ومن يكره، ولماذا اختفى، ولماذا عاد، ولماذا نجح، ولماذا فشل…بل وأحياناً يعرف ما يدور في غرفهم المغلقة أكثر مما يعرفون هم أنفسهم! وكأنه لم يعد متابعاً لحياة المشاهير… بل أصبح مديراً لحياتهم!

وتجد آخر يقتحم رأي الآخرين، فيصحح لهم أفكارهم، ويشرح لهم نواياهم، ويخبرهم بما كانوا يقصدونه رغم أنهم أنفسهم لم يقولوا ذلك!

ثم يظهر لك ثالث… متخصص في كل شيء!. اقتصاد؟ عنده تحليل. سياسة؟ عنده قراءة. إعلام؟ عنده رؤية. رياضة؟ عنده نظرية. إدارة مؤسسات؟ عنده أسرار. قرارات الدولة؟ يعرف خلفياتها. والأغرب… أنه يعرف أحياناً ما لم يعلن بعد! وكأنه كان حاضراً في كل اجتماع، وقرأ كل محضر، وسمع كل مكالمة!

ثم يقول لك بمنتهى الثقة: «أنا فاهم الموضوع!». وهنا تحديداً تبدأ الحكاية. لأن المعرفة الحقيقية تجعل الإنسان أكثر حذراً في الكلام، بينما ادعاء المعرفة يجعل صاحبه أكثر ثقة كلما كان أقل معرفة.

المشكلة ليست في أن يكون لك رأي. الرأي حق. ولا في أن تنتقد. النقد ضرورة. ولا في أن تحلل الأحداث. التحليل مطلوب. المشكلة تبدأ عندما يتحول الرأي إلى حقيقة، والتحليل إلى يقين، والتخمين إلى معلومة، والانطباع الشخصي إلى حكم نهائي.

وهنا يظهر «الشيخ حسني» الجديد…لا يحمل عصاه، وإنما يحمل ميكروفوناً أو هاتفاً أو حساباً على مواقع التواصل. لا يرى الصورة كاملة، لكنه يشرحها للناس. لا يعرف التفاصيل، لكنه يحسم النتائج. لا يملك المعلومات، لكنه يوزع الاتهامات. لا يعرف ما يدور داخل المؤسسات، لكنه يتحدث عن قراراتها وكأنه كان يجلس على رأس الطاولة. ولا يعرف شيئًا عن حياة الآخرين، لكنه يتطوع بشرحها!

يا جماعة… هو إحنا بقينا عارفين كل حاجة عن كل حاجة؟!. بعض الناس لا يستطيع أن يدير يومه، لكنه يريد أن يدير مؤسسة. لا يعرف تفاصيل عمله، لكنه يشرح للآخرين كيف يعملون. لم يسأل صاحب القرار، لكنه يعرف لماذا اتخذ القرار. لم يقرأ الوثيقة، لكنه يحلل مضمونها. لم يرَ المشهد، لكنه يشرح لك ما حدث خلف الكواليس!

وهنا لا يصبح الأمر مجرد جهل…بل يصبح ثقة زائدة في جهل غير مكتمل المعلومات. والأخطر أن بعض هؤلاء يضعون كلمة «تحليل» على كل كلامهم. مع أن التحليل الحقيقي ليس أن تقول ما تعتقده…التحليل الحقيقي أن تملك المعلومات، وتفهم السياق، وتعرف ما الذي تعرفه، وما الذي لا تعرفه.

أما أن تجمع شائعة من هنا، وانطباعاً من هناك، وفيديو من ثلاثين ثانية، ثم تخرج علينا بنظرية متكاملة…فهذه ليست معرفة. هذه «فتوة معلومات»!. والشيخ حسني كان على الأقل صريحاً مع نفسه. كان كفيفاً.

أما مدعي المعرفة، فمشكلته أنه لا يعترف بأنه لا يرى. بل يريد أن يقنعك بأنه يرى أكثر منك!. وهنا تكمن الكارثة. فهو لا يكتفي بأن يجهل…بل يريد أن يجعل الآخرين يثقون في جهله. ولا يكتفي بأن يخمن…بل يريد أن يحول تخمينه إلى حقيقة يتداولها الناس. ولا يكتفي بأن يختلف…بل يريد أن يصبح اختلافه دليلاً على أن الآخرين لا يفهمون.

ومن هنا تبدأ المشكلة الحقيقية…لأن «الشيخ حسني» عندما يكتفي بادعاء أنه فاهم كل حاجة، يضحكنا… لكن عندما يتحول ادعاؤه إلى تشكيك في كل شيء، وهدم لكل شيء، وزرع للشك في الوطن ومؤسساته… ساعتها الموضوع مبقاش كوميديا!

وهنا يصبح الأمر أخطر من مجرد شخص يتدخل في حياة الآخرين أو يدعي معرفة ما لا يعرف. فنحن أمام عقلية تجعل الشك هو القاعدة، والتشكيك هو المنهج، وكل إنجاز موضع اتهام، وكل قرار محل شبهة، وكل مؤسسة هدفاً للتقليل من شأنها.
وهنا تحديداً تنتهي الكوميديا… ويبدأ الخطر. لأن الوطن لا يهدم فقط بالمعاول، وإنما يمكن أن يهدم أيضاً بكلمة تفقد الناس الثقة، وشائعة تربك العقول، وتحليل بلا معلومة يحول الشك إلى يقين. المشكلة ليست أن تخطئ… المشكلة أن تقدم الخطأ باعتباره يقيناً.

نحن في زمن لم تعد فيه المشكلة نقص المعلومات. المعلومات موجودة في كل مكان. المشكلة أن هناك من لا يعرف كيف يفرق بين المعلومة والرأي، وبين الخبر والتفسير، وبين الحقيقة والادعاء. ومن لا يملك المعلومة الكاملة، عليه أن يملك على الأقل فضيلة الاعتراف: «لا أعرف.» وهذه ليست كلمة ضعف.

بل ربما تكون أكثر كلمات الإنسان علماً. العالم الحقيقي يعرف حدود معرفته. والمتخصص الحقيقي يعرف متى يتحدث ومتى يصمت. والناقد الحقيقي ينتقد الفكرة ولا يفتش في حياة أصحابها. والمحلل الحقيقي يضع احتمالات ولا يبيع اليقين.

أما «الشيخ حسني» الجديد…فهو الذي لا يرى، لكنه يصر على أن يشرح لك الطريق!. والذي لا يعرف، لكنه يتحدث بثقة من يعرف. والذي لم يدخل حياة الآخرين، لكنه يريد أن يكتب لهم سيناريو حياتهم. والذي لا يعرف ما يحدث داخل المؤسسات، لكنه يشرح لك لماذا حدث. باختصار… لا يرى المشهد، لكنه يشرح لك الكواليس!

وهنا يجب أن نتوقف قليلاً. ليس كل من تحدث محللاً. وليس كل من انتقد خبيراً. وليس كل من رفع صوته صاحب حجة. وليس كل من قال «أنا عارف»… عارفاً!

فبعض الناس يحتاجون إلى أن يخلعوا عن أنفسهم عباءة «العارف بكل شيء»، ويكتشفوا أن العالم أكبر من رؤيتهم، وأن حياة الآخرين ليست ملفاً مفتوحاً لهم، وأن مؤسسات الدولة ليست مسرحاً مفتوحاً لتخميناتهم، وأن النقد لا يعني اختراع معلومات، وأن الحرية لا تعني اقتحام خصوصيات الناس أو ادعاء امتلاك الحقيقة.

الشيخ حسني كان كفيفاً… لكنه كان يعرف أنه كفيف. أما المشكلة الحقيقية…ففيمن لا يرى شيئاً، ثم يقف أمام الناس ليشرح لهم كل شيء!. وهؤلاء لا يحتاجون إلى نظارة…بل يحتاجون إلى قليل من التواضع!

الاخبار العاجلة