حين تُحاكم الحرية بتهمة الإرهاب.. سقوط المعنى في زمن السلطة الخائفة

16 يناير 2026آخر تحديث :
وجدي صادق
وجدي صادق

بقلم: وجدي صادق

بين الجدّ والسخرية، تتكثّف حمولة سياسية تعكس طبيعة المرحلة التي تعيشها أنظمة السلطة في عالمٍ يتآكل فيه المعنى قبل أن تسقط الوقائع. فعندما تُقدِم سلطة ما على تصنيف «الحرية» بوصفها خطراً، أو تتعامل معها كـ تهديدٍ أمني، فإنها لا تعبّر عن خوفٍ عابر، بل تكشف عن مأزقٍ بنيوي في علاقتها بالمجتمع، وعن إرتباكٍ عميق في فهمها لوظيفتها ودورها. فـ الدولة التي ترى في الحرية عدواً، إنما تعترف ضمناً بعجزها عن إدارة التعدّد، وبإفتقارها إلى الثقة بشرعيتها، وبخشيتها من وعي قد يفضح هشاشة الأسس التي تقوم عليها.

في هذا السياق، يصبح إستخدام مفردات مثل «الإرهاب» أو «الخطر على الأمن القومي» أداةً سياسية أكثر منه توصيفاً موضوعياً. فالتهمة هنا لا تُطلَق لضبط العنف أو حماية السلم العام، بل لتجريم الفكرة قبل الفعل، ومحاصرة الوعي قبل أن يتحوّل إلى موقف، والرأي قبل أن يصير تياراً. وهكذا، تنقلب المفاهيم رأساً على عقب، وتُفرَّغ اللغة من معناها الحقيقي، لتتحوّل إلى وسيلة ضبطٍ وسيطرة، لا إلى أداة تواصلٍ وتفاهم. السياسة، في هذه الحالة، لا تُدار بمنطق المشاركة، بل بمنطق الخوف؛ الخوف من السؤال، من النقد، من الإختلاف، ومن كلّ ما لا يخضع للوصاية الرسمية.

••لذلك، يُصار إلى تصوير الحرية كـ فوضى، والمعارضة كـ خيانة، والمطالبة بالحقوق كـ مؤامرة. وهذا الإنزلاق اللغوي ليس تفصيلاً عابراً، بل مؤشرٌ واضح على إنتقال السلطة من مرحلة إدارة الدولة إلى مرحلة حماية الذات، حيث يصبح بقاء النظام أولوية تتقدّم على بقاء العقد الإجتماعي نفسه. إن أخطر ما في هذا المشهد ليس القمع المباشر، بل تطبيع القمع عبر اللغة. فعندما يعتاد المجتمع سماع توصيف الحرية بوصفها تهديداً، يبدأ تدريجياً بفقدان حساسيته تجاه الإستبداد، ويتحوّل القمع إلى إجراء «مبرَّر»، بل «ضروري».

وهنا تكمن المأساة السياسية الحقيقية، إذ لا يعود الإستبداد مفروضاً بالقوة وحدها، بل مقبولاً ثقافياً، ومسوَّغاً أخلاقياً. في المحصّلة، ما نراه ليس سخريةً عابرة ولا مجرّد نقدٍ ساخر، بل تشخيصاً دقيقاً لمرحلةٍ سياسية تُدار فيها الدول بعقلية الحصار لا بعقلية الدولة. مرحلةٌ تخاف فيها السلطة من الفكرة أكثر من السلاح، لأن السلاح يمكن مصادرته، أمّا الفكرة فإذا تسلّلت إلى العقول، فلا سجون تتّسع لها، ولا قوانين قادرة على إخمادها.

ومن هنا، فإن تصنيف الحرية عدواً ليس دليلاً على قوة النظام، بل شهادةً علنية على ضعفه، وعلى إدراكه العميق بأن سقوط المعنى يسبق دائماً سقوط السلطة.

*كاتب المقال: إعلامي لبناني.

الاخبار العاجلة