لبنان أمام العقدة الأصعب.. هل يستطيع أن يبقى خارج حرب إيران وأمريكا؟

منذ 26 دقيقةآخر تحديث :
لبنان أمام العقدة الأصعب.. هل يستطيع أن يبقى خارج حرب إيران وأمريكا؟
بسام فقيه:

لم تعد تعقيدات المشهد اللبناني تتوقف عند حدود الجنوب، ولا عند استمرار الضغوط العسكرية والسياسية التي تحاصر الدولة من أكثر من اتجاه. فمع عودة التصعيد المباشر بين الولايات المتحدة وإيران، دخل لبنان مرحلة جديدة من القلق، لأن أي توسّع في المواجهة الإقليمية قد يعيد طرح السؤال القديم ـ الجديد: هل يبقى لبنان خارج الحرب، أم يتحول مرة أخرى إلى جبهة إسناد؟

هذا السؤال لم يعد افتراضياً.

فالتصعيد الأميركي ـ الإيراني عاد إلى الواجهة بقوة، مع تجدد الضربات المتبادلة واتساع رقعة الاستهداف لتشمل مواقع وقواعد مرتبطة بالولايات المتحدة وإيران في المنطقة. ومع ارتفاع منسوب التوتر، يصبح احتمال توسع المواجهة قائماً، فيما تبدو القنوات السياسية عاجزة حتى الآن عن إنتاج تسوية تمنع العودة إلى المسار العسكري.

وهنا تحديداً تبدأ المشكلة اللبنانية.

لبنان الخارج لتوّه من حرب مدمرة، والذي لا يزال الجنوب فيه تحت ضغط عسكري وأمني شديد، لا يملك ترف الدخول في مواجهة جديدة، ولا القدرة الاقتصادية أو الاجتماعية أو الإنسانية على تحمل حرب أخرى.

والأخطر أن أي انخراط لبناني في المواجهة لن يأتي في ظرف طبيعي، بل في وقت لا تزال فيه البلاد تعالج آثار الحرب السابقة، وتحاول تثبيت الهدوء، وتعمل على استعادة القرار الأمني والعسكري للدولة.

العقدة الأولى: غياب الضمانة

المعلومات المتداولة في الأوساط الرسمية تشير إلى أن أكثر ما يثير القلق في بيروت هو عدم وجود ضمانة واضحة بأن «حزب الله» لن ينخرط في أي مواجهة مقبلة إذا توسعت الحرب الأميركية ـ الإيرانية.

وهذه ليست مسألة تفصيلية.

فالدولة اللبنانية تريد تثبيت قاعدة أساسية مفادها أن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون حصراً بيد المؤسسات الشرعية، وأن لبنان لا يستطيع تحمل حرب جديدة لا يملك قرار الدخول إليها أو الخروج منها.

لكن المشكلة تكمن في الفجوة بين موقف الدولة وبين قدرتها على ضمان التزام جميع القوى بهذا القرار.

فماذا لو توسعت الحرب؟ وماذا لو اعتبرت طهران أن المواجهة أصبحت معركة مفتوحة تستوجب تحريك حلفائها؟ وماذا لو قرر الحزب أن التطورات الإقليمية تفرض عليه العودة إلى الميدان؟

عندها يجد لبنان نفسه أمام معادلة شديدة الخطورة: دولة تقول إنها لا تريد الحرب، وقوة عسكرية قادرة على اتخاذ قرار مغاير، وإسرائيل التي قد تعتبر أي نشاط عسكري من الأراضي اللبنانية جزءاً من الحرب الإقليمية.

وهذا بالضبط ما تخشاه بيروت.

العقدة الثانية: جنوب لم يلتقط أنفاسه بعد

لا يمكن فصل التطورات الإقليمية عن الوضع في الجنوب.

فالجنوب لا يزال يعيش على وقع حرب لم تنتهِ تداعياتها، فيما تستمر الاعتداءات والضغوط الإسرائيلية، وتبقى مناطق واسعة أمام واقع أمني شديد الحساسية.

وفي المقابل، بدأت الدولة اللبنانية مساراً سياسياً وأمنياً يهدف إلى تثبيت حضورها وتعزيز دور الجيش وحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية، بالتوازي مع مسار تفاوضي مع إسرائيل يفترض أن يقود إلى وقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي واستعادة الاستقرار.

لكن أي انفجار إقليمي جديد يمكن أن ينسف هذه المعادلة كلها.

فإسرائيل لا تنظر إلى الملف اللبناني بمعزل عن الملف الإيراني، وأي مواجهة مباشرة بين واشنطن وطهران يمكن أن تعيد تعريف قواعد الاشتباك في المنطقة بأكملها.

بمعنى آخر، قد لا يحتاج لبنان إلى اتخاذ قرار بالدخول في الحرب كي يجد نفسه داخلها.

يكفي أن تتحول أراضيه إلى جبهة رد أو إسناد، أو أن تُطلق عملية من الجنوب، حتى تصبح البلاد أمام احتمال رد إسرائيلي واسع، وربما أمام إعادة إنتاج المشهد الذي عاشه اللبنانيون خلال الحرب الأخيرة.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى:

لبنان يحاول اليوم الخروج من حرب، بينما المنطقة قد تكون في طريقها إلى حرب جديدة.

العقدة الثالثة: العلاقة بين الدولة و«حزب الله»

المشكلة لا تتعلق فقط بالسلاح، بل بطبيعة القرار نفسه.

فالدولة اللبنانية بدأت مساراً واضحاً لاستعادة احتكارها للقرار العسكري والأمني، وصولاً إلى تعزيز انتشار الجيش جنوباً والعمل على تنفيذ مسار تدريجي لحصر السلاح بيد الدولة.

لكن هذا المسار لا يزال يصطدم بتعقيدات سياسية وأمنية كبيرة، أبرزها موقف «حزب الله» من مسألة سلاحه ومستقبل دوره العسكري.

وفي هذه اللحظة تحديداً، يصبح ضعف التواصل بين الدولة والحزب أكثر خطورة.

فالدولة في زمن الأزمات لا تحتاج فقط إلى إصدار المواقف، بل تحتاج إلى معرفة ما الذي يمكن أن يحدث، وإلى امتلاك قنوات لمنع سوء التقدير، وإلى ضمان ألا يتحول أي قرار إقليمي إلى اشتباك لبناني داخلي.

غياب التواصل أو تعطله لا يعني بالضرورة أن الحرب واقعة، لكنه يجعل هامش الخطأ أكبر.

وفي الأزمات الكبرى، قد يكون الخطأ الواحد كافياً لإشعال مواجهة لا يريدها أحد.

العقدة الرابعة: لبنان بين واشنطن وطهران

المشكلة أن لبنان لم يعد يُقرأ دولياً باعتباره ملفاً منفصلاً عن الصراع الأميركي ـ الإيراني.

بالنسبة إلى واشنطن، فإن مسألة السلاح خارج الدولة ترتبط مباشرة بقدرة لبنان على استعادة سيادته وقراره.

وبالنسبة إلى طهران، فإن «حزب الله» يمثل إحدى أهم أوراق النفوذ في المنطقة، وبالتالي فإن أي مواجهة واسعة مع الولايات المتحدة قد تعيد وضع الحزب أمام خيارات صعبة.

أما إسرائيل، فتنظر إلى أي تطور في لبنان من زاوية أمنية بحتة، وتريد ضمان ألا يتحول الجنوب مجدداً إلى منصة عسكرية ضدها.

وبين هذه الاتجاهات جميعاً، يحاول لبنان الرسمي أن يقول إنه يريد شيئاً مختلفاً:

أن يكون لبنان دولة لا ساحة.

وهذه ربما هي المعركة الأهم التي يخوضها لبنان اليوم.

العقدة الخامسة: هل تعود «حرب الإسناد»؟

هذا هو السؤال الأكثر إلحاحاً.

فالتجربة اللبنانية الأخيرة أظهرت أن إدخال لبنان في حرب مرتبطة بصراع إقليمي يمكن أن يترتب عليه ثمن هائل، ليس فقط عسكرياً، بل اقتصادياً وإنسانياً واجتماعياً.

ولذلك فإن أي عودة إلى منطق «الإسناد» ستكون بالنسبة إلى لبنان كارثية، خصوصاً أن البلاد لم تستعد عافيتها بعد.

فالجنوب لم يتعافَ، والاقتصاد لم يستعد قدرته، والنازحون لم يطووا بالكامل آثار النزوح، وإعادة الإعمار لا تزال تحتاج إلى سنوات وإمكانات ضخمة.

فكيف يمكن للبنان أن يتحمل حرباً جديدة؟

ومن أين تأتي القدرة على إعادة البناء للمرة الثانية؟

ومن يتحمل مسؤولية عائلات جديدة ستُهجّر، وقرى جديدة ستُدمّر، واقتصاد جديد سيتلقى ضربة قاصمة؟

هذه ليست أسئلة سياسية فقط.

إنها أسئلة وجودية.

لكن ثمة فرصة لا يجوز إضاعتها

رغم كل المخاطر، ثمة مسار دولي يتشكل لدعم الدولة اللبنانية والجيش، وتعزيز قدرة المؤسسات الرسمية على بسط سلطتها على الأراضي اللبنانية.

كما أن المسار التفاوضي بين لبنان وإسرائيل، رغم هشاشته، يفتح نافذة نادرة أمام إمكانية تثبيت ترتيبات أمنية جديدة في الجنوب، بالتوازي مع تعزيز دور الجيش.

وهنا تقع مسؤولية كبيرة على الدولة اللبنانية.

فالمطلوب ليس فقط أن تقول إنها ترفض الحرب، بل أن تمتلك الأدوات السياسية والأمنية التي تمنع اندلاعها.

والمطلوب أيضاً أن تتعامل مع ملف السلاح باعتباره جزءاً من بناء الدولة، لا باعتباره معركة لتسجيل انتصار سياسي على طرف لبناني.

وفي الوقت نفسه، لا يمكن مطالبة لبنان بأن يحتكر قرار الحرب والسلم بينما يبقى مكشوفاً أمام الاعتداءات الإسرائيلية.

فاستعادة قرار الدولة تحتاج إلى دولتين في المعادلة: دولة لبنانية قوية وقادرة، وضمانات جدية تمنع تحويل لبنان إلى ساحة مفتوحة أمام إسرائيل.

العقدة الحقيقية

في النهاية، ليست المشكلة في أن لبنان جزء من هذه المنطقة. هذه حقيقة جغرافية وسياسية لا يمكن تغييرها.

المشكلة هي أن يبقى لبنان جزءاً من صراعات المنطقة من دون أن يكون صاحب قرار فيها.

والمطلوب اليوم ليس من لبنان أن ينتصر لإيران، ولا أن ينتصر لأميركا، ولا أن يتحول إلى ورقة إسرائيلية.

المطلوب أن ينتصر لنفسه.

أن يقول بوضوح إن ما تبقى من هذا البلد لا يحتمل حرباً جديدة.

وأن يثبت أن قرار السلم والحرب ليس شعاراً سياسياً، بل قاعدة وطنية يجب أن تحميها الدولة.

فالجنوب لا يحتمل حرباً أخرى، والاقتصاد لا يحتمل، واللبنانيون لا يحتملون نزوحاً جديداً، ولا دماراً جديداً، ولا إعادة بناء جديدة.

ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يحدث الآن هو أن ينتظر لبنان ما ستقرره طهران أو واشنطن أو تل أبيب.

المطلوب أن يقرر لبنان أولاً ماذا يريد لنفسه.

الحياد عن الحرب لا يعني الحياد عن حماية لبنان.

بل ربما تكون هذه اللحظة تحديداً هي الاختبار الحقيقي لقدرة الدولة اللبنانية على استعادة قرارها، ومنع تحويل البلد مرة أخرى إلى ساحة لتصفية حسابات الآخرين.

لبنان ليس جبهة إضافية في حرب الآخرين، والجنوب ليس ورقة تفاوض، واللبنانيون ليسوا وقوداً لصراعات المنطقة.

الاخبار العاجلة