الاحتقان الاجتماعي.. حين يفقد السعي معناه

منذ ساعة واحدةآخر تحديث :
مصطفى زكريا
مصطفى زكريا

بقلم: مصطفى زكريا

التفاوت المادي بين الناس أمر طبيعي وموجود في كل المجتمعات، أما أن يتحول هذا التفاوت إلى احتقان اجتماعي فليس أمرا ً طبيعيا ً ولا مقبولا ً. والأخطر من الاحتقان نفسه أن يتحول بمرور الوقت إلى إحباط، وأن يتسلل هذا الإحباط إلى النفوس حتى يشعر الإنسان بأن المسافة بين واقعه وما يتطلع إليه لم تعد قابلة للاختصار بالعمل والسعي والاجتهاد.

وهذا تحديدا ً ما أخشاه؛ ليس أن يرى الفقير غنيا ً، ولا أن يعرف صاحب الدخل المتوسط أن هناك من يملك أضعاف ما يملك، وإنما أن يبدأ الإنسان في فقدان ثقته بأن العمل قادر على تحسين حياته. فأخطر ما يمكن أن يفقده الوطن ليس المال، وإنما أن يفقد أبناؤه إيمانهم بأن السعي ما زال له معنى.
ولعل أكثر ما يدفع إلى هذا الشعور هو الارتفاع المتواصل في تكلفة الحياة الأساسية وتآكل الطبقة الوسطى واستمرار انزلاقها إلى أسفل .. فالإنسان الذي كان يستطيع الادخار أصبح راتبه بالكاد يكفي الشهر، ومن كان يحلم بشراء مسكن أصبح ثمنه بعيدا ً عن قدرته، ومن كان قادرا ً على تعليم أبنائه وعلاج أسرته دون قلق أصبحت هذه الضروريات تستنزف جانباً متزايدا ً من دخله.

وهنا تقع على الحكومة مسؤولية أساسية ؛ فليس المطلوب فقط زيادة الدخول، وإنما خفض تكلفة حياة المواطن. وكل جنيه تنجح الدولة في تخفيضه من تكلفة الغذاء أو العلاج أو التعليم أو النقل أو السكن هو في حقيقته جنيه أضافته إلى دخله دون أن تطبع نقودا ً أو تزيد فاتورة الأجور.
ومصر، بما تملكه من تاريخ وإمكانات زراعية ومناخ وعمالة ومشروعات استصلاح وتوسع زراعي تفرض علينا سؤالا ً بسيطاً:
كيف يمكن أن يصل كيلو من محصول محلي (كالطماطم) في بعض الفترات إلى أسعار ترهق الأسرة؟ وإذا كان الفلاح نفسه يشكو أحيانا ً من ضعف ما يحصل عليه، والمستهلك يشكو من ارتفاع ما يدفعه، فأين تذهب المسافة بين الاثنين؟ المطلوب ليس التسعير الجبري، وإنما تفكيك رحلة السلعة من الحقل إلى المائدة؛ تكلفة الإنتاج والنقل والتخزين والفاقد والوسطاء والرسوم وهوامش الأرباح.

لكن المشكلة لا تقف عند الاقتصاد؛ فبينما تحسب أغلبية من المواطنين تكلفة ضرورياتها، تتصدر المشهد العام صور لحياة مختلفة تماما ً ؛ عقارات بأسعار لا تستطيع الغالبية الاقتراب منها، وحفلات تبلغ أسعار بعض تذاكرها عشرات الآلاف من الجنيهات، ومشاهير يستعرضون السيارات والقصور والمنتجعات، وإعلاميون تتردد حول أجور بعضهم أرقام ضخمة، ثم يخرج من يطالب المواطن بالصبر والتحمل.

ولكي لا يُساء فهم ما أقول، فأنا لا أتحدث عن الأثرياء ولا أعترض على الثراء المشروع. المشكلة ليست مع الثروة، وإنما مع صناعة القدوة .. أتحدث عن المشاهير والشخصيات العامة والرموز، وعن الأدوات الإعلامية والفنية التي تختار ما تضعه في مقدمة المشهد وتسلط عليه الضوء حتى يصبح، بقصد أو بغير قصد، النموذج الذي يحلم الشباب بالوصول إليه.
والأخطر حين تمتد هذه الصورة إلى الدراما، فيقدم المجرم أو الفاسد أو تاجر المخدرات أو البلطجي من خلال نجم محبوب جماهيريا ً، محاطا ً بالمال والنفوذ والسيارات الفارهة والحسناوات، ثم تنتهي حكايته محتفظا ً بمكانته أو خارجا ً سالما ً وربما سعيدا ً. هنا يصعب القول إن الرسالة محايدة؛ لأن الشاب لا يتلقى الكلمات وحدها، وإنما يتلقى الصورة كاملة.
ولا تسألني فقط ماذا قال البطل في نهاية العمل؛ اسأل ماذا جعلت المشاهد يتمنى أن يكون طوال ساعات عرضه.

وهنا يظهر خطر آخر لا أملك له إحصاءً، لكنني أخشى وجوده:
أن تتسع الفجوة بين الوظائف المتاحة وبين أحلام بعض الشباب إلى الحد الذي يدفع بعضهم إلى رفض بداية متواضعة كان يمكن أن تكون الدرجة الأولى في سلم صعوده، بدلا ً من قبولها والبحث عن عمل إضافي يحسن دخله.
فإذا أقنعنا الشاب بأن النجاح يبدأ من القمة؛ فلا نستغرب أن يحتقر الدرجة الأولى من السلم، وأن ينتظر قفزة أو معجزة تمنحه ما يراه كل يوم أمام عينيه.

وهنا يصبح الإحباط أخطر من الفقر نفسه؛ لأنه لا يدفع الإنسان إلى مزيد من السعي، بل قد يقنعه بأن السعي لم يعد مجدياً. وعندما تنكسر العلاقة في وعي الإنسان بين العمل والنتيجة، قد تتغير معها منظومة كاملة من القيم، فيصبح النجاح السريع أهم من النجاح المستحق، والمظهر أهم من الإنجاز، والمال أهم من السؤال عن الطريق الذي جاء منه.

المطلوب الآن ألا نتعامل مع ذلك باعتباره مجرد أزمة أسعار أو ظاهرة عابرة. على الدولة بأجهزتها المعنية، ومعها الأحزاب بمختلف توجهاتها، ومجلسا النواب والشيوخ، ومؤسسات الإعلام والمجتمع المدني، أن تبدأ فورا ً في مراجعة المشهد وتصحيح مساره .. جهد كبير يحتاج إلى أقصى درجات الفكر والعمل وإرادة حقيقية للتغيير؛ يخفض تكلفة حياة المواطن، ويحمي الطبقة الوسطى من استمرار الهبوط، ويفتح أمام الشباب طرقا ً حقيقية للصعود، ويتوقف عن تصدير المظاهر المستفزة باعتبارها عنوانا ً للنجاح، ويعيد إلى مقدمة المشهد العالم والطبيب والمعلم والمهندس والعامل والفلاح والصانع والشاب الذي بدأ صغيرا ًوصعد بالعلم والعمل.

فالاحتقان لا يعالج بإنكار وجوده، والإحباط لا يعالج بمطالبة المحبط بأن يكون أكثر تفاؤلا ً. كلاهما يحتاج إلى أسباب حقيقية تعيد إلى الإنسان ثقته بأن الغد يمكن أن يكون أفضل، وأن الطريق قد يكون طويلا ً لكنه ما زال موجودا ً.

فأخطر ما يمكن أن يفقده الوطن ليس المال، وإنما أن يفقد أبناؤه إيمانهم بأن السعي ما زال له معنى .. واستعادة هذا الإيمان اليوم، مهما كانت كلفتها، أقل كثيرا ً من كلفة محاولة استعادته غدا ً.

الاخبار العاجلة