أعادت انتخابات اتحاد جمعيات العائلات البيروتية طرح سؤال قديم-جديد حول مستقبل نفوذ سعد الحريري في العاصمة اللبنانية، بعدما خرجت اللائحة المدعومة من «تيار المستقبل» وحلفائه بأقلية المقاعد، في مواجهة لائحة العائلات المستقلة التي حصدت 11 مقعدًا من أصل 18.
وقد تبدو النتيجة، للوهلة الأولى، مجرد انتخابات داخل إطار عائلي واجتماعي، لكنها اكتسبت بعدًا سياسيًا بسبب ارتباط بيروت تاريخيًا بالحريرية السياسية، وبحضور «تيار المستقبل» الذي شكل لسنوات أحد أبرز عناوين التمثيل السياسي السني في العاصمة.
وتأتي هذه الخسارة في توقيت حساس بالنسبة إلى سعد الحريري، الذي بدأ استعادة حضوره السياسي تدريجيًا بعد فترة من الابتعاد عن الاستحقاقات الانتخابية.
وكان «تيار المستقبل» قد قاطع الانتخابات النيابية عام 2022 والانتخابات البلدية والاختيارية عام 2025، ما أضعف ماكنته التنظيمية والانتخابية، قبل إعلان الحريري عودته إلى العمل السياسي.
من استحقاق اجتماعي إلى استفتاءً على الحريري؟
ورغم أن خسارة اللائحة المحسوبة على «المستقبل» تمنح خصوم الحريري مادة سياسية للحديث عن تراجع نفوذه، فإن قراءة النتيجة باعتبارها إعلانًا عن انتهاء شعبية الرجل في بيروت ستكون مبالغة لا تسندها طبيعة الاستحقاق.
فانتخابات اتحاد جمعيات العائلات البيروتية ليست انتخابات نيابية أو بلدية، كما أن المشاركة فيها محدودة، وهو ما يجعل إسقاط نتائجها مباشرة على المزاج الانتخابي العام للعاصمة أمرًا يحتاج إلى قدر كبير من الحذر.
وتشير قراءات لبنانية إلى أن الاستحقاق ذو طابع معنوي واجتماعي أكثر من كونه اختبارًا انتخابيًا عامًا، فضلًا عن أن عددًا من العائلات لم يشارك في الاقتراع لأسباب مرتبطة بشروط العضوية والاشتراكات، لكن محدودية الانتخابات لا تلغي تمامًا دلالتها السياسية.
فخروج اللائحة المدعومة من «تيار المستقبل» من المعركة بأقلية المقاعد يشير، على الأقل، إلى أن النفوذ الذي كان يبدو أكثر رسوخًا داخل بعض الأطر البيروتية لم يعد محصنًا كما كان، وأن مساحات جديدة أصبحت متاحة أمام قوى وشخصيات أخرى.
من إرث رفيق الحريري إلى الحمل الثقيل لسعد
ويزداد وزن هذه الإشارة عند وضعها في سياق التحولات التي شهدتها الساحة البيروتية خلال السنوات الأخيرة.
فقد بقي إرث رفيق الحريري حاضرًا في وجدان قطاعات واسعة من أبناء العاصمة، كما ظل اسم سعد الحريري يحتفظ برمزية واضحة في أحياء بيروتية تقليدية.
لكن هذا الحضور الرمزي لا يعني بالضرورة احتفاظ «تيار المستقبل» بالقوة التنظيمية والسياسية نفسها التي امتلكها في السابق.
فالغياب عن الانتخابات، وتراجع النشاط الحزبي والخدماتي، وظهور قوى وشخصيات تنافس على القاعدة البيروتية، كلها عوامل تجعل مهمة الحريري في استعادة نفوذه السابق أكثر تعقيدًا، خصوصًا أن العودة السياسية لا تعني تلقائيًا استعادة الشبكة الانتخابية التي كانت قائمة قبل سنوات.
ويشير مراقبون إلى أن جزءًا من القاعدة التقليدية للتيار بات أكثر تباينًا في مواقفه، في وقت لم تعد فيه العلاقة بين الناخب والقيادة السياسية تقوم بالدرجة نفسها على الولاء السياسي المطلق.
هل تتغير خريطة بيروت؟
من هنا، قد تكون أهمية انتخابات العائلات البيروتية في أنها تكشف اتجاهًا يحتاج إلى مزيد من الاختبار، لا نتيجة يمكن تعميمها.
فالانتخابات تقول إن اللائحة المحسوبة على «تيار المستقبل» لم تتمكن من الاحتفاظ بالغالبية داخل هذا الإطار، لكنها لا تقول إن الناخب البيروتي حسم خياره نهائيًا ضد سعد الحريري.
والفارق مهم؛ إذ إن قياس حجم الحريري الحقيقي داخل العاصمة يحتاج إلى استحقاق انتخابي أوسع، تكون فيه المشاركة الشعبية أكبر، وتتنافس فيه القوى السياسية على أصوات الناخبين مباشرة، لا على تمثيل جمعيات العائلات.
ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية المقبلة، تتحول نتيجة انتخابات الاتحاد إلى اختبار مبكر للحريري أكثر منها حكمًا نهائيًا عليه.
فإذا تمكن «تيار المستقبل» من إعادة بناء حضوره التنظيمي واستعادة الثقة السياسية، فقد تبقى هذه النتيجة مجرد كبوة في مسار العودة.
أما إذا تكررت المؤشرات نفسها في انتخابات أكثر اتساعًا، فقد يصبح الحديث عن تراجع فعلي في نفوذ الحريري داخل بيروت أكثر من مجرد قراءة سياسية لانتخابات محدودة.
وهنا تكمن الرسالة الأهم: نجم سعد الحريري لم ينطفئ بنتيجة هذه الانتخابات، لكنه لم يعد يضيء بيروت بالوهج نفسه الذي كان عليه من قبل.













