أين تقف.. قبل أن تقرر إلى أين تذهب؟

منذ ساعتينآخر تحديث :
أين تقف.. قبل أن تقرر إلى أين تذهب؟
مصطفى زكريا

بقلم: مصطفى زكريا

حين نبحث عن طريق إلى مكان لا نعرفه، ونستخدم أحد تطبيقات الخرائط الإلكترونية مثل «خرائط جوجل»، فإن التطبيق لا يكتفي بأن نحدد له المكان الذي نريد الوصول إليه، بل يحتاج أولا ً إلى معرفة موقعنا الحالي؛ أي نقطة البداية .
ومن هذه النقطة يرسم لنا الاتجاه، ويحسب المسافة، ويختار الطريق الأنسب إلى وجهتنا، ويقدر الزمن اللازم للوصول إليها. منطق بسيط نتعامل معه كل يوم دون أن نتوقف أمامه كثيرا ً، رغم أننا قد نكون أحوج إليه عندما نرسم طريق حياتنا؛ إذ ننشغل أحيانا ً بتحديد ما نريد الوصول إليه، ومتى نريد أن نصل، قبل أن نحدد بدقة النقطة التي نبدأ منها.
فليس المهم فقط أن نعرف إلى أين نريد أن نذهب، وإنما أن نعرف أولا ً أين نقف؟
كذلك موقع الإنسان في الحياة لا تحدده رغباته وحدها، وإنما تصنعه مجموعة من العوامل؛ قدراته وإمكاناته وعلمه وخبرته وعمره ومسؤولياته وظروفه والفرص المتاحة أمامه. والاعتراف بهذه الحقيقة ليس تقليلا ً من شأن الإنسان، ولا دعوة إلى الاستسلام للواقع، بل هو تحديد صادق لنقطة البداية التي سينطلق منها.
فالطموح لا يعني أن نتجاهل واقعنا، كما أن الواقعية لا تعني أن نقتل طموحنا .. وربما يكون الخطأ الأكبر أن نخلط بين ما نتمناه وما نستطيعه في اللحظة الراهنة، فنضع لأنفسنا أهدافا ً ومواعيد للوصول إليها، ثم نصاب بالإحباط إذا تأخرنا عنها، دون أن نسأل: هل كان تقديرنا للمسافة صحيحا ً من البداية؟ وهل أخذنا في الاعتبار إمكاناتنا وظروفنا والطريق الذي يتعين علينا قطعه؟
ومن هنا تصبح المقارنة بالآخرين أكثر الأمور خداعا ً. فنحن ننظر إلى إنسان وصل إلى مكانة معينة، ونرى أين يقف الآن، لكننا لا نرى دائما ً أين كانت نقطة بدايته، ولا الطريق الذي سلكه، ولا الإمكانات التي امتلكها، ولا العقبات التي واجهها، ولا الزمن الذي احتاج إليه حتى يصل. فنقارن النتيجة بالنتيجة، بينما المقارنة العادلة ـ إن كانت هناك مقارنة أصلا ً ـ ينبغي أن تبدأ من نقطة البداية.

ولهذا فليس كل من سبقك أفضل منك، وليس كل من تأخرت عنه قد قطع الطريق نفسه الذي تقطعه. فقد تكون نقطة بدايته أقرب، أو ظروفه أيسر، أو إمكاناته أكبر، وقد تكون أنت بدأت من مكان أبعد، فاحتاج طريقك بطبيعته إلى وقت أطول.
وما أظلم الإنسان لنفسه حين يقارن زمن وصوله بزمن غيره، دون أن يقارن أولا ً بين نقطتي البداية.
فالطموح يخبرك إلى أين تريد أن تصل، والوعي يخبرك أين تقف؛ ولا طريق صحيحا ً بينهما إذا غاب أحدهما. ومن يعرف موقعه الحقيقي يستطيع أن يرى ما ينقصه، وما يحتاج إلى تعلمه، وما يمكنه تطويره، وما ينبغي أن يغيره، ثم يبدأ في التحرك خطوة بعد أخرى نحو المكان الذي يريد الوصول إليه.

ومع ذلك؛ فإن معرفة موقعك الحالي لا تعني أن تقبل به باعتباره نهاية الطريق، فالإطار الذي تتحرك داخله حياتك ليس جدارًا ثابتا ً ؛ تستطيع بالعلم والعمل والخبرة والسعي أن توسعه، وأن ترفع سقفه، وأن تنتقل منه إلى إطار أكبر .. وكلما بلغت موقعا ً جديدا ً، أصبح من حقك أن تعيد حساباتك، وأن تحدد لنفسك وجهة أبعد، تماما ً كما يعاد حساب الطريق على الخريطة كلما تغير موقعك.

لكن بعضنا يعيش بعينيه دائما ً عند نقطة الوصول، فلا يرى المسافة التي قطعها، ولا يستمتع بما حققه، ولا يشكر ما بين يديه؛ لأن نظره معلق بما لم يصل إليه بعد .. وهنا يتحول الطموح، الذي يفترض أن يكون قوة تدفع الإنسان إلى الأمام، إلى مصدر دائم للشعور بالنقص وعدم الرضا.

ولعل الحكمة تكمن في أن تعرف أين تقف، وأن تحدد إلى أين تريد أن تذهب، ثم تسعى بما تملك من قدرة، وتراجع موقعك كلما تقدمت، دون أن تظلم نفسك بمقارنة طريقك بطريق غيرك أو زمنك بزمنه.
فالحياة ليست سباقا ً يبدأ فيه الجميع من خط واحد، ولا طريقاً
واحدا ً يسلكه البشر بالسرعة نفسها؛ لكل إنسان نقطة بداية، ولكل إنسان ظروفه وطريقه وزمنه.
ولهذا؛ قبل أن تسأل نفسك:
إلى أين أريد أن أصل؟
اسألها أولا ً: أين أقف الآن؟

الاخبار العاجلة