
بقلم: مصطفى زكريا
المشكلة الاقتصادية في مصر لم تعد في تقديري تحتاج فقط إلى خبراء يجيدون قراءة الأرقام، بقدر ما تحتاج إلى حكومة تمتلك رؤية واضحة وشجاعة المواجهة؛ مواجهة القيادة السياسية بحقيقة الموقف كاملة، ومواجهة الشعب بما نستطيع وما لا نستطيع، وما يجب أن نفعله اليوم حتى لا ندفع غدا ً ثمن التأجيل.
فالأرقام الرسمية نفسها تقول إن القضية لم تعد عجز موازنة فقط .. فوفقا ً لخطة الاقتراض التي أعلنتها وزارة المالية للنصف الثاني من العام المالي 2025/2026، يمثل عجز الموازنة نحو 9٪ فقط من إجمالي الاحتياجات التمويلية، بينما تذهب النسبة الباقية، وهي نحو 91٪، إلى استحقاقات ديون قائمة، غالبيتها ديون محلية. وهذا يعني ببساطة أننا وصلنا إلى مرحلة أصبحت فيها إعادة تمويل الديون المستحقة تستهلك النصيب الأكبر من احتياجاتنا التمويلية.
وصندوق النقد الدولي، رغم إشارته إلى تحسن عدد من المؤشرات وانخفاض نسبة الدين مقارنة بذروتها السابقة، لا يزال يرى أن الاحتياجات التمويلية لمصر مرتفعة، وأن خدمة الدين تستنزف جانبا ً ضخما ً من الإيرادات، بما يضيّق المساحة المتاحة للإنفاق على الأولويات الأخرى.
وهنا أطرح رؤيتي كمواطن مصري، وليس كخبير اقتصادي، لعلها تجد من يناقشها ويصححها ويضيف إليها.
أعتقد أن البداية يجب أن تكون بإعادة ترتيب أولويات المشروعات العامة، وتأجيل ما يمكن تأجيله من المشروعات ذات العائد بعيد الأجل والتي لا تمثل ضرورة عاجلة، خاصة إذا كانت تتطلب تمويلا ً جديدا ً.
أما المشروعات القابلة للتنفيذ بنظام BOT أو المشاركة مع القطاع الخاص، فلماذا تتحمل الموازنة تكلفتها كاملة، بينما يستطيع رأس المال الخاص تمويلها وتشغيلها، ثم تعود أصولها في النهاية إلى الدولة؟
لكن إعادة ترتيب الإنفاق وحدها لن تكون كافية، نحن في حاجة إلى خطوة أكبر تستهدف أصل المشكلة: خفض رصيد الدين نفسه، وليس فقط البحث كل عام عن كيفية تدبير خدمته.
ومصر تمتلك أصولا ً وأراضي ذات قيم استثمارية ضخمة يمكن أن يكون جزء منها مدخلا ً لهذا الحل، وفي مقدمتها ـ على سبيل المثال ـ بعض الأراضي ذات القيمة المرتفعة، وكذلك الأراضي غير المستغلة الممتدة في مناطق من كورنيش النيل جنوب القاهرة حتى حلوان والتبين. والحكومة نفسها بدأت بالفعل حصر بعض الأراضي غير المستغلة على امتداد الكورنيش وبحث استثمارها بالشراكة مع القطاع الخاص.
ولكنني لا أدعو إلى بيع هذه الأصول بالطريقة التقليدية؛ فنبيع الأرض، ونحصل على ثمنها، ثم تدخل الأموال إلى الموازنة وتذوب داخل المصروفات، وبعد سنوات لا يبقى لدينا الأصل ولا حصيلة بيعه.
ما أقترحه مختلف.
يمكن على سبيل المثال، أن تحصل الدولة على 50٪ من قيمة الأرض أو الأصل نقدًا، مقابل احتفاظها بالنسبة الأخرى في صورة مشاركة في المشروع الذي سيقام عليه. والنسبة نفسها ليست مقدسة، وإنما تحددها دراسات الجدوى وطبيعة كل مشروع. وبذلك نحصل على سيولة فورية، ونحتفظ في الوقت نفسه بنصيب من القيمة التي سيصنعها الاستثمار مستقبلا ً.
فإذا بعنا أصلا ً عاما ً ثم أنفقنا حصيلته، فقد نخسر الأصل والمال معا ً .. أما إذا استبدلنا بأصل غير مستغل دينا ً مرتفع التكلفة، واحتفظت الدولة في الوقت نفسه بحصة في المشروع الجديد، فنحن لا نبيع ثروة الدولة؛ بل نعيد تشكيلها.
والأهم أن حصيلة هذه التصرفات يجب ألا تدخل الموازنة العامة من الأساس، وإنما تذهب إلى حساب مستقل ومحكوم بقواعد قانونية واضحة، لا يسمح باستخدام جنيه واحد منه إلا في خفض الدين. ومن حق المصريين عندها أن يعرفوا دوريا ً :
كم بلغت الحصيلة؟ وكم سددنا من الدين؟ وكم وفرنا من فوائد وأعباء سنوية؟
واللافت أن مبدأ توجيه حصيلة التخارج إلى خفض الدين موجود بالفعل ضمن برنامج الدولة، لكنني أرى أن الظروف الحالية تستحق التفكير في الذهاب إلى مدى أبعد، بحيث تصبح حصيلة برنامج استثنائي ومدروس لاستثمار الأصول غير المستغلة مخصصة بالكامل لخفض الدين.
ويبقى الاستثمار. فلا معنى لأن نعرض أراضي بمليارات الدولارات ثم نستقبل المستثمر بمنظومة من الإجراءات والعراقيل تستنزف وقته وأمواله. المطلوب نافذة “فاعلة” حقيقية واحدة، وتوقيتات ملزمة للجهات الحكومية، وبنية تحتية جاهزة، وطاقة بتكلفة عادلة تسمح للمنتج المصري بالمنافسة، وقواعد مستقرة لا تتغير بعد أن يضع المستثمر أمواله.
أنا لا أزعم أن هذه الرؤية وحدها تستطيع حل مشكلة تراكمت عبر سنوات، ولا أن استثمار بعض الأصول يمكن أن يكون بديلا ً عن زيادة الإنتاج والصادرات والاستثمار وترشيد الإنفاق .. لكنه قد يكون جزءا ً من خطة استثنائية لكسر الحلقة التي تجعل جزءا ً هائلا ً من احتياجاتنا التمويلية مرتبطا ً بديون سابقة.
مصر لا تحتاج حكومة تخشى عرض صعوبة الموقف حتى لا تثير القلق، وإنما حكومة تمتلك الشجاعة لتقول للقيادة السياسية وللشعب معا
: هذه حقيقة الموقف، وهذه تكلفة الاستمرار على النهج نفسه، وهذه خطتنا للخروج منه، وهذه المدة التي نطلبها، وهذه هي النتائج التي سنحاسَب عليها.
فالأزمات الكبيرة لا تُحل بإخفاء حجمها، ولا بترحيل تكلفتها إلى السنوات القادمة، وإنما يبدأ حلها لحظة أن نمتلك شجاعة مواجهتها.
