من الحي إلى العشيرة.. كيف تُصنع العصابة؟

منذ ساعة واحدةآخر تحديث :
ريم برو
ريم برو

بقلم: د. ريم برو

 

لا تبدأ العصابة المحلية بالضرورة من الجريمة، بل قد تبدأ من الحاجة إلى الانتماء والولاء والحماية. ففي بعض الأحياء، تتشكل العصابة من أبناء المنطقة أنفسهم، تجمعهم الهوية المشتركة والانتماء إلى المكان، قبل أن تتحول هذه الروابط تدريجيًا إلى نشاطات مخالفة للقانون.

في البيئات المهمشة، حيث تغيب فرص العمل وتضعف المؤسسات ويشعر بعض الأفراد بأنهم خارج منظومة الدولة، قد تصبح العصابة بالنسبة إلى أفرادها مساحة بديلة للانتماء. يبدأ الأمر بعلاقات تجمع أبناء الحي، ثم تتطور إلى شبكة من الولاءات التي تمنح أفرادها شعورًا بالحماية والقوة. وهنا لا تقتصر الحماية على أفراد العصابة أنفسهم، إذ قد يمتد ارتباطهم بمحيطهم إلى درجة أن يصبح بعض الأهالي جزءًا من شبكة الحماية. وكما تقول الباحثة في الأنثروبولوجيا الجنائية الدكتورة ريم برّو: «الأهالي بيحموهم».

في هذا السياق، قد ينظر بعض أفراد العصابة إلى أفعالهم باعتبارها وسيلة للعيش في ظل التهميش وغياب الفرص. لا يعني ذلك تبرير الجريمة، وإنما يوضح كيف يمكن أن تتشكل داخل الجماعة قناعة تمنح السلوك معنى مختلفًا، وتحوّل العصابة تدريجيًا من مجرد مجموعة من أبناء الحي إلى جماعة تربط أفرادها علاقات الولاء والانتماء.

لكن شكل العصابة يتغير عندما تنتقل من رابطة المكان إلى رابطة الدم.

في بعض البيئات العشائرية، يمكن أن تدخل العائلة بأكملها في النشاط، فيجتمع العم والأب والخال وأبناء العائلة ضمن شبكة واحدة. هنا تصبح العلاقة أكثر قوة لأن الرابط لم يعد مجرد انتماء إلى المكان، بل قرابة ودم وولاء عائلي.

وتشير برّو إلى أن بعض الأنشطة قد تتحول إلى ما يشبه «المشروع المتوارث»، ينتقل من جيل إلى آخر، حتى يصبح الحفاظ على «كار» العائلة جزءًا من مفهوم النفوذ والاستمرارية داخلها. وبذلك لا يكون التوارث مجرد انتقال لنشاط من شخص إلى آخر، بل استمرارًا لعلاقات الدم التي تشكل أساس الجماعة نفسها.

وفي هذه البيئات، يمكن أن تتحول بعض الأنشطة المرتبطة بالتهريب أو غيره إلى مهنة متوارثة داخل العائلة. ومع انتقالها من جيل إلى آخر، تصبح المعرفة بالنشاط وعلاقاته وشبكاته جزءًا من الموروث العائلي، وتوفر رابطة الدم قدرًا إضافيًا من الثقة والولاء والاستمرارية.

وهنا يظهر الفرق بين العصابة التي تتشكل في الحي والعصابة التي تستند إلى بنية عشائرية. في الأولى، يكون المكان والانتماء والبحث عن الولاء والحماية عناصر أساسية في تشكل المجموعة. أما في الثانية، فتدخل القرابة وعلاقات الدم والتوارث في صلب تكوينها، فتمنحها قدرة أكبر على الحفاظ على استمراريتها عبر الأجيال.

وهكذا، فإن العصابة المحلية لا تأخذ شكلًا واحدًا. فالبيئة التي تنشأ فيها تحدد طبيعة الروابط التي تجمع أفرادها: قد يكون الحي مصدر الانتماء والولاء في المدينة، بينما تصبح العائلة والعشيرة ورابطة الدم أساسًا للاستمرار في بيئات أخرى.

وفي الحالتين، تبدأ العصابة من روابط اجتماعية قائمة أصلًا، ثم تتحول هذه الروابط إلى مصدر للقوة والاستمرارية. فالفرق ليس فقط في نوع النشاط الذي تمارسه العصابة، وإنما في الأساس الاجتماعي الذي يجعل أفرادها متماسكين وقادرين على الاستمرار.

 

*كاتبة المقال: باحثة لبنانية في العلوم الاجتماعية والأنثروبولوجيا.

الاخبار العاجلة