الرضا.. سر الحياة ومفتاح الأمان

منذ 49 دقيقةآخر تحديث :
مصطفى زكريا
مصطفى زكريا

بقلم: مصطفى زكريا

ترك لي والدي وحمة الله عليه وصية ً واحدة ً، لم يشرحها، ولم يضف إليها كلمة أخرى. اختصرها كلها في كلمة منفردة قالها لي: «الرضا».
ومرت سنوات العمر، وخضت ما يخوضه كل إنسان من نجاح وإخفاق، وفرح وحزن، ومكسب وفقد، حتى بدأت أفهم لماذا اختار أبي هذه الكلمة دون غيرها، ولماذا رأى أنها تكفي لتكون وصيته الوحيدة لي.
ومع مرور الأيام أصبحت واحدة من أهم قناعاتي وثوابتي في الحياة:
“الرضا سر الحياة الدنيا، ومفتاح الأمان بعدها”.
لكن الرضا المقصود ليس استسلاما ً، ولا انسحابا ً من الحياة، ولا انتظارا ً لما سيأتي ونحن ساكنون لا نفعل شيئا ً. فالرضا الحقيقي لا يلغي السعي، بل يأتي بعده؛ أن تعمل بكل ما تستطيع، وأن تفكر وتخطط وتجتهد، وأن تطرق الأبواب المتاحة أمامك، ثم إذا فعلت ما عليك، تستقبل ما يأتيك بقلب يدرك أن النتائج ليست كلها ملكا ً للإنسان.

ولعل القرآن الكريم جمع بين المعنيين في آيتين عظيمتين؛ ففي الأولى أمر واضح بالعمل: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾،
وفي الأخرى طمأنينة القلب إلى مصدر الرزق:
﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾.
فالسماء لا تعني أن نجلس منتظرين أن يهبط إلينا الرزق، كما أن العمل لا يعني أننا نملك وحدنا تحديد نتائجه .. وبين المعنيين تستقيم حياة الإنسان: يسعى بجوارحه، ويطمئن بقلبه.

والرضا بنتيجة السعي، بتعبير أدق، هو الرضا بما قسمه الله وقدّره لنا بعد أن بذلنا ما نستطيع. وهذا الرضا لا يبقى مجرد إحساس في القلب، وإنما يظهر في الحمد والشكر على ما أُعطينا؛ فالشكر أحد أجمل تعبيرات الرضا .. يقول تعالى: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾.
وهنا معنى يستحق أن نتوقف عنده؛ فالإنسان الذي لا يرى إلا ما فاته، قد يحجب عن نفسه رؤية ما بين يديه من نعم .. وإذا غاب الشعور بالنعمة، ضعف الشعور بالاكتفاء، وأصبح الحمد والشكر كلمات قد يقولها اللسان دون أن يستشعر القلب معناها. فالرضا يجعلنا نرى ما لدينا، والحمد والشكر يجعلاننا ندرك قيمته، دون أن يمنعنا ذلك من السعي إلى المزيد.

لكن هنا يبرز السؤال الأصعب: كيف نجمع بين الرضا والطموح دون أن يهدم أحدهما الآخر؟
فالرضا إذا أسيء فهمه قد يتحول إلى استسلام، والطموح إذا تُرك بلا ضابط قد يتحول إلى نهم لا يعرف الشبع. وكلما أعطى الله الإنسان خيرا ً، نظر إلى ما هو أكثر منه، فإذا بلغه تطلع إلى ما بعده، حتى تصبح حياته سباقا ً لا خط نهاية له، ويظل إحساسه بالنقص أكبر من إحساسه بما يملك.
ومن هنا فإن الرضا لا يقتل الطموح، لكنه يضع له سقفا ً؛ وسقف الطموح لا ينبغي أن يكون منخفضا ً فيمنع الإنسان من اكتشاف قدراته، ولا مرتفعا ً إلى حد يفصل بين ما يتمناه وما تسمح به قدراته وإمكاناته وظروفه بمسافة تحول دون الوصول إليه. فالطموح حين ينفصل عن الممكن قد يتحول من قوة تدفع الإنسان إلى الأمام إلى مصدر دائم للإحباط، فلا يعود يرى ما حققه، لأنه مشغول دائما ً بما لم يحققه بعد.

فليس المطلوب أن نخفض سقف أحلامنا، وإنما أن نعرف أين نضعه، ومتى نرفعه، ومتى نقول: الحمد لله على ما بلغنا، ثم نبدأ سعيا ً جديدا ً.

وهكذا يصبح الطموح مراحل من السعي تتخللها محطات من الرضا والحمد، لا جوعا ً مستمرا ً لا يعرف الشبع .. فالإنسان يستطيع أن يطمح إلى الأفضل وأن يسعى إلى المزيد، لكن من موقع الشاكر لما لديه، لا من موقع الساخط لأنه لم يحصل بعد على ما يريد.
فالطموح بلا رضا جوع لا يشبع، والرضا بلا سعي استسلام؛ وبينهما تستقيم حياة الإنسان.

ومن هنا أقول إن “الرضا، في نظري، منهج النجاح في اختبار الحياة” .. لأن هذا الاختبار لا يقوم على أن نحصل على كل ما نريد، وإنما على أن نحسن التعامل مع ما أُعطينا وما مُنع عنا، وأن نسعى فيما نملك، ونرضى فيما لا نملك، ونحمد الله على ما قسم، ثم نواصل السعي.

فالرضا يجعل الإنسان أكثر قدرة على رؤية الخير، ويحميه من أن يقيس نعم الله بما فاته وحده. وإذا رأى النعمة رضي، وإذا رضي حمد وشكر، وإذا شكر جاءه وعد الله واضحا ً:
﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾.
فالرضا ليس نهاية الطموح، وإنما بداية الشكر.
واليوم، كلما عدت بذاكرتي إلى وصية والدي، أدركت لماذا لم يكن بحاجة إلى شرح طويل، ولماذا لم يترك لي قائمة من النصائح والوصايا.
ربما كان قد عرف قبلي بسنوات طويلة أن الإنسان يحتاج عمرا ً كاملا ً حتى يفهم بعض الكلمات، وأن كلمة واحدة قد تختصر له منهجا ً يعيش به حياته ويستقبل به أقداره، ويرجو به الأمان فيما بعدها.
وقد احتجت أنا إلى سنوات من العمر لأفهم كلمته الوحيدة “الرضا”

الاخبار العاجلة