بقلم: فيصل خزيم العنزى
في رحاب الكعبة حيث تهدأ النفوس وتسمو الأرواح، يستوقفنا أحد أعظم دروس السيرة النبوية : صلح الحديبية ذلك الصلح الذي بدا في ظاهره يومئذٍ قاسياً على المسلمين .. حتى إن بعض شروطه أثقلت على النفوس، ولكن الأيام كشفت أن وراء تلك الشروط حكمةً إلهيةً عظيمة وأن ما ظنه الناس تنازلاً كان في حقيقته فتحاً مبيناً .
كان مفاوض قريش سهيل بن عمرو شديداً في مفاوضاته، حريصاً على أن تنتزع قريش كل ما تستطيع من شروط .. ومن ذلك أنه رفض أن يُكتب في وثيقة الصلح : «محمد رسول الله»، وقال : لو كنا نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك، ولكن اكتب : محمد بن عبدالله !!
فوافق النبي ﷺ، وأمر علياً رضي الله عنه أن يمحو عبارة «رسول الله» فتردد عليٌّ رضي الله عنه وأبى أن يمحوها إجلالاً لرسول الله ﷺ، فمحاها النبي ﷺ بيده .
يا لها من لحظة عظيمة !!
يمحوها رسول الله ﷺ، ولكن اليقين في قلبه لا يُمحى .. تتغير الكلمات على الورق، لكن الحقيقة في السماء لا تتغير تُحذف عبارة ولا يُحذف معها وعد الله ولا ينقص بذلك إيمان نبيّه بنصر ربه .
ثم جاءت بقية الشروط فبدت في أعين كثير من المسلمين مجحفةً وثقيلة حتى نزل قول الله تعالى : ﴿إِنّا فَتَحنا لَكَ فَتحًا مُبينًا﴾.
وهنا يظهر الدرس الذي يتجاوز حدود الحديبية إلى حياتنا كلها : ليست كل خسارةٍ في ظاهرها خسارة وليست كل صعوبةٍ علامةً على أن الطريق خطأ !!
قد يغلق الله باباً لأن وراءه باباً أوسع وقد يؤخر أمراً لأن وقته لم يحن وقد يضعنا أمام ظرف لا نريده ثم نكتشف بعد حين أن ذلك الظرف نفسه كان يقودنا إلى خير لم نكن نراه .
لقد ظن بعض المسلمين أن شروط الحديبية قسوة فإذا بها تمهيد للفتح .. وما هي إلا مدة قصيرة حتى انكشفت آثارها، واتسعت دائرة الإسلام ومهّدت الحديبية الطريق إلى فتح مكة بعد نحو عامين !!
وهكذا علّمنا النبي ﷺ أن ننظر إلى الأمور بعين الإيمان، لا بعين اللحظة وحدها : فالعين ترى الورقة، أما الإيمان فيرى ما وراء الورقة .. والعقل يرى الطريق الضيق، أما التوكل فيثق بمن يملك نهايته .
فإذا ضاقت بك الحياة
وتعثرت بعض أمنياتك
وأُغلقت في وجهك أبواب كنت تظن
أن سعادتك خلفها
فلا تستعجل الحكم على الأقدار
ربما كان في الأمر الذي كرهته خيرٌ لم تره
وربما كان المنع عين العطاء
وربما كانت الخطوة التي ظننتها إلى الخلف
هي بداية الطريق إلى الأمام !!
ثق بالله ثقة أصحاب القلوب المطمئنة
وامضِ هادئ النفس
فما دام الأمر بيد الله
فالعاقبة لا تكون إلا إلى خير .
وفي رحاب الكعبة
حيث تتعلق القلوب برب البيت
نتعلم من الحديبية أعظم دروس اليقين :
قد تتغير الكلمات على الورق
وقد تثقل الشروط على النفوس
وقد يبدو المشهد كله في غير صالحك
لكن إذا كان الله معك
فلا تخف من أول الطريق
فالله وحده يعلم آخره.
*كاتب المقال: كاتب كويتي.













