المنطقة تتغيّر.. ولبنان لا يملك ترف الانتظار

منذ ساعة واحدةآخر تحديث :
المنطقة تتغيّر.. ولبنان لا يملك ترف الانتظار
بسام فقيه

بقلم: بسام فقيه

لبنان ليس تفصيلاً في التسوية المقبلة

ليس من السهل قراءة ما يجري في المنطقة باعتباره مجرد سلسلة من العمليات العسكرية وردود الفعل عليها. ثمة مسار أكبر يتشكل، وإسرائيل تبدو في قلب هذا المسار وهي تحاول تثبيت معادلة جديدة عنوانها: الأمن قبل السياسة، والاستباق قبل الانتظار.

منذ السابع من أكتوبر، لم تعد إسرائيل تتعامل مع التهديدات المحيطة بها باعتبارها ملفات منفصلة، بل باعتبارها جزءاً من بيئة أمنية واحدة. وهي توظف هذه الرؤية داخلياً وخارجياً لتبرير استمرار المبادرة العسكرية، وتقدم نفسها للولايات المتحدة والمجتمع الدولي باعتبارها دولة تواجه تهديدات من أكثر من جبهة.

لكن السؤال الذي يعني لبنان تحديداً هو: إلى أين يمكن أن يقود هذا المسار؟

الخشية ليست فقط من جولة عسكرية جديدة، بل من أن يتحول الضغط الأمني تدريجياً إلى ضغط سياسي، وأن يصبح لبنان أمام ترتيبات جديدة تُفرض عليه تحت عنوان الأمن والاستقرار، وربما تدفعه لاحقاً إلى قبول شروط لم يكن ليقبل بها في ظروف طبيعية.

ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن تفعله الدولة اللبنانية هو أن تنتظر.

لا يكفي أن تقول الدولة إنها تريد تطبيق القرارات الدولية وحصر السلاح وفرض سيادتها، ثم تنتظر أن تنضج التسوية في واشنطن أو طهران أو تل أبيب. الدولة التي لا تضع لنفسها موقعاً على طاولة التسوية، قد تجد نفسها على قائمة المتلقين لشروطها.

وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن استمرار وجود سلاح خارج سلطة الدولة يضعف الموقف اللبناني نفسه. فكلما بقي القرار العسكري موزعاً، بقيت لإسرائيل حجة جاهزة للتذرع بوجود تهديد لبناني، وبقي لبنان عاجزاً عن تقديم نفسه كدولة تملك قرارها كاملاً.

لكن هذا لا يعني أن الحل هو دفع البلد إلى مواجهة عسكرية جديدة.

على العكس، في الظروف الحالية، قد يكون الذهاب إلى الحرب مغامرة شديدة الكلفة، فيما لا يبدو أن البيئة الإقليمية والدولية تمنح لبنان هامشاً يسمح بتحمل نتائجها.

وهنا تكمن المفارقة: السلاح الذي يُقال إنه موجود لحماية لبنان قد يتحول، إذا بقي خارج قرار الدولة، إلى عامل يضعف قدرة لبنان على حماية مصالحه السياسية والدبلوماسية.

أما حزب الله، فمن الصعب معرفة خياراته النهائية، لكن المؤشرات تقول إن أي قرار عسكري كبير لن يكون منفصلاً عن الحسابات الإيرانية والإقليمية الأوسع. وإيران بدورها لا تتعامل مع ساحاتها المختلفة بالضرورة وفق حساب واحد؛ فهي قد تحتاج إلى الحفاظ على حزب الله ونفوذه وسلاحه كورقة استراتيجية، من دون أن يعني ذلك أنها تريد استخدام هذه الورقة عسكرياً في كل لحظة.

ومن هنا، فإن الرهان على الوقت قد يكون مفهوماً بالنسبة إلى بعض الأطراف، لكنه بالنسبة إلى لبنان يحمل مخاطر مختلفة.

فالوقت لا يتوقف.

إسرائيل تستثمره لتثبيت قواعد أمنية جديدة، وإيران تستثمره للحفاظ على أوراقها، والولايات المتحدة تستثمره لإعادة ترتيب المنطقة. أما إذا بقي لبنان ينتظر، فقد يكون الوحيد الذي لا يستثمر الوقت لمصلحته.

وهنا يجب أن نكون واقعيين أيضاً في قراءة العلاقة الأمريكية–الإسرائيلية. القول إن واشنطن أعطت إسرائيل “شيكاً على بياض” قد يكون تبسيطاً للمشهد. الأرجح أن هناك تفاهمات وسقوفاً وحدوداً، وأن الولايات المتحدة تحاول إدارة التصعيد بما يخدم أهدافها الأوسع، وفي مقدمها احتواء إيران وإعادة تشكيل توازنات المنطقة، من دون السماح بانفجار شامل لا يمكن التحكم بنتائجه.

أما نتنياهو، فلا يمكن فصل حساباته الأمنية عن حساباته السياسية والداخلية والانتخابية. لكنه في النهاية يتحرك ضمن مشروع إسرائيلي أوسع من شخصه، مشروع يقوم على إعادة تعريف مفهوم الأمن الإسرائيلي بعد السابع من أكتوبر.

وهنا تحديداً يجب أن يكون لبنان أكثر وضوحاً مع نفسه.

هل يريد أن يبقى ساحة للصراع بين المشاريع الإقليمية والدولية؟ أم يريد أن يتحول إلى دولة صاحبة قرار ومصلحة؟

الإجابة لا تحتاج إلى مزيد من البيانات والخطابات.

تحتاج إلى خطة.

خطة تبدأ بتثبيت سلطة الدولة، وتطبيق الالتزامات التي وافق عليها لبنان، وحصر القرار العسكري والأمني بالمؤسسات الشرعية، والتحرك دبلوماسياً وسياسياً لاستعادة الحقوق اللبنانية، وفتح قنوات التواصل اللازمة مع المجتمع الدولي والدول العربية، بحيث لا يكون لبنان مجرد موضوع على طاولة الآخرين.

ولا يعني ذلك تقديم لبنان مجاناً لإسرائيل، ولا الدخول في تطبيع مفروض، ولا التخلي عن الحقوق الوطنية.

بل يعني العكس تماماً:

أن تصبح الدولة اللبنانية هي صاحبة القرار في الحرب والسلم، لأنها وحدها القادرة على تحويل القوة اللبنانية من مصدر انقسام إلى ورقة تفاوض.

لبنان لا يستطيع تغيير موازين القوى العالمية، لكنه يستطيع أن يغيّر موقعه في هذه الموازين.

المشكلة ليست أن العالم لديه مشاريع للبنان.

المشكلة أن لبنان، حتى الآن، لم يقدم بما يكفي مشروعه الخاص.

وفي لحظة يجري فيها الحديث عن انتهاء عصر الميليشيات، وتطويق النفوذ الإيراني، وإعادة تشكيل الشرق الأوسط، وإنتاج ترتيبات أمنية جديدة، فإن أسوأ ما يمكن أن يفعله لبنان هو أن يكتفي بمراقبة المشهد.

فالمنطقة تُعاد صياغتها الآن. والسؤال ليس إن كانت التسوية ستأتي، بل عندما تأتي: هل سيكون لبنان شريكاً في صياغتها، أم مجرد بلد يُطلب منه أن يوقّع عليها؟

 

*كاتب المقال: إعلامي لبناني.

الاخبار العاجلة