حرب إيران وأمريكا.. هل نحن أمام حرب حقيقية أم إعادة رسم للمنطقة؟

منذ ساعة واحدةآخر تحديث :
بسام فقيه
بسام فقيه

بقلم: بسام فقيه

كلما طال أمد الحرب الأميركية–الإيرانية، ازدادت الأسئلة بدل أن تتراجع.

في بداية الحرب كان الكلام عن تدمير القدرات العسكرية الإيرانية، وضرب البرنامج النووي، وإضعاف منظومة الصواريخ، وحتى تغيير قواعد اللعبة في المنطقة.

لكن بعد أشهر من الحرب، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا.

إيران ما زالت قادرة على إطلاق الصواريخ والمسيّرات، وما زالت قادرة على تهديد دول الخليج والملاحة، ومضيق هرمز تحول إلى واحدة من أهم أوراق القوة الإيرانية.

وهنا السؤال الذي لا يستطيع أحد تجاهله:

هل تخوض الولايات المتحدة فعلًا حربًا بكل ما تملك من قوة وإمكانات لإنهاء القدرة الإيرانية، أم أنها تخوض حربًا محسوبة السقف والأهداف؟

نحن لا نتحدث عن دولة عادية.

نحن نتحدث عن الولايات المتحدة الأميركية؛ الدولة التي تمتلك أكبر قوة عسكرية في العالم، وأضخم أسطول بحري، وتفوقًا هائلًا في الأقمار الاصطناعية والاستخبارات والحرب الإلكترونية والأسلحة الدقيقة والذكاء الاصطناعي.

فإذا كانت واشنطن تريد فعلًا إنهاء قدرة إيران على تهديد الخليج، فكيف يمكن تفسير استمرار هذا التهديد؟

وكيف يمكن تفسير أن تبقى إيران قادرة على جعل مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، ورقة تفاوضية بيدها؟

بل إن السؤال أصبح أكثر إحراجًا لواشنطن بعدما نشرت مؤسسة Brookings الأميركية تحليلًا بعنوان صريح: “هل خسرت الولايات المتحدة حرب إيران؟”. وخلص التحليل إلى أن الولايات المتحدة أصبحت في وضع أسوأ مما كانت عليه قبل الحرب، وأن إيران باتت تسيطر على الوصول إلى مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس إمدادات النفط العالمية. (Brookings)

وفي تحليل آخر، قالت Brookings إن إيران صمدت أمام القصف الأميركي وأصبحت في موقع أقوى مما كانت عليه قبل الحرب، وإنها استخدمت هرمز باعتباره ورقة ضغط استراتيجية. (Brookings)

وهنا لا بد من التوقف.

إذا كانت القوة العسكرية الأميركية عاجزة عن حسم هرمز، فهل المشكلة في القدرة العسكرية أم في القرار السياسي؟

قد يقول البعض إن السيطرة على المضيق ليست عملية سهلة، وهذا صحيح. فإيران تمتلك صواريخ ساحلية، مسيّرات، زوارق، ألغامًا وقدرات غير متماثلة تجعل أي عملية للسيطرة الكاملة عليه مكلفة وخطيرة.

لكن هذا لا يلغي السؤال، بل يجعله أكبر.

لأن الولايات المتحدة كانت تعرف هذه المخاطر قبل أن تدخل الحرب.

وكانت تعرف أن إيران ستستخدم الخليج وهرمز كورقة ضغط.

وكانت تعرف أيضًا أن دول الخليج ستكون في مرمى الصواريخ والمسيّرات الإيرانية.

ومع ذلك دخلت الحرب.

فهل كان الهدف فعلًا إسقاط القوة الإيرانية، أم الوصول إلى صيغة جديدة للتوازن؟

الخليج… الحلقة التي دفعت الثمن

المفارقة أن دول الخليج لم تكن صاحبة القرار في الحرب، لكنها كانت من أكثر المتضررين منها.

وقد أشار تحليل نشره Atlantic Council إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي لم تكن طرفًا في المفاوضات الأميركية–الإيرانية، ولم تبدُ حتى أنها حظيت باستشارة رسمية كافية، رغم تعرض مطاراتها ومنشآتها للطاقة ومناطق مدنية فيها لهجمات إيرانية بالصواريخ والمسيّرات. (Atlantic Council)

وهنا سؤال آخر:

إذا كانت الولايات المتحدة تحارب إيران دفاعًا عن أمن حلفائها في الخليج، فلماذا لا يكون هؤلاء الحلفاء طرفًا أساسيًا في تحديد شكل نهاية الحرب؟

وهذا السؤال يصبح أكثر أهمية عندما نرى ما يجري الآن حول مضيق هرمز.

فبحسب أحدث التقارير، تجري اتصالات بوساطة عُمانية حول ترتيبات لإعادة فتح المضيق، وهناك مقترحات تتضمن تنظيم حركة السفن وتحديد مسارات للعبور، فيما ذكرت Reuters أن المقترح المطروح قد يمنح إيران دورًا في التحكم بحركة السفن الداخلة إلى المضيق. (Reuters)

إذا صحت هذه الترتيبات، فنحن أمام مفارقة تاريخية:

الحرب التي كان يفترض أن تقلل النفوذ الإيراني قد تنتهي بمنح إيران دورًا أكبر في أهم ممرات الطاقة في العالم.

وهذا ليس كلامًا من عندنا؛ بل إن دراسات أميركية تحدثت بالفعل عن أن إيران انتقلت من مجرد القدرة على تهديد المضيق إلى استخدام الوصول إليه كورقة سياسية واقتصادية، بما في ذلك فرض شروط مختلفة على حركة السفن. (Brookings)

وهل الولايات المتحدة غير قادرة فعلًا؟

هنا يجب أن نكون أكثر إنصافًا.

ليس من الدقة القول إن الجيش الأميركي “لا يستطيع” السيطرة على هرمز.

المسألة أعقد.

السيطرة العسكرية على المضيق شيء، والحفاظ عليه مفتوحًا وآمنًا ومستقرًا أمام الملاحة العالمية شيء آخر.

قد تستطيع الولايات المتحدة تدمير مواقع ومنشآت إيرانية، لكنها لا تستطيع بالضرورة ضمان ألا تستمر إيران في إطلاق الصواريخ أو زرع الألغام أو استخدام وسائل غير متماثلة لإبقاء تكلفة الملاحة مرتفعة.

حتى التحليلات الأميركية تشير إلى أن تأمين المضيق بصورة كاملة قد يحتاج إلى قوات ضخمة وانتشار طويل على الساحل الإيراني، وأن ذلك يحمل كلفة عسكرية وسياسية كبيرة. (Brookings)

كما أشارت Brookings إلى أن الحرب استنزفت نسبة كبيرة من مخزونات بعض الذخائر الأميركية المهمة، وهو عامل يمكن أن يقيّد خيارات البنتاغون. (Brookings)

إذن، ربما لا تكون المسألة عجزًا عسكريًا.

ربما هي كلفة الحرب التي لا تريد واشنطن دفعها إلى نهايتها.

وهذا يقودنا إلى السؤال الأكثر حساسية.

هل هناك صفقة أكبر من الحرب؟

لا أملك دليلًا على وجود مؤامرة أو اتفاق سري أميركي–إيراني لتقاسم الخليج.

ولا يجوز تحويل الشك إلى حقيقة من دون دليل.

لكن السياسة الدولية لا تقوم فقط على العداء المعلن.

أحيانًا تتصارع الدول في العلن، بينما تتقاطع مصالحها في بعض الملفات في الخفاء.

والولايات المتحدة تريد الحفاظ على نفوذها وقواعدها ومصالحها في الخليج.

وإيران تريد أن تُثبت أنها قوة إقليمية لا يمكن تجاوزها.

وقد يكون الطرفان مختلفين على حجم النفوذ، لكنهما قد يجدان في نهاية المطاف مصلحة في صيغة تحفظ لكل منهما جزءًا من نفوذه.

وهنا تبرز الفرضية التي تستحق النقاش:

هل يمكن أن تكون الحرب وسيلة لإعادة ترتيب المنطقة، لا لإنهاء نفوذ طرف فيها؟

هل المطلوب إضعاف إيران، لا إسقاطها؟

هل المطلوب منعها من امتلاك قوة تمكنها من السيطرة على المنطقة، مع إبقائها قوية بما يكفي لتبقى لاعبًا لا يمكن تجاوزه؟

وهل تحتاج الولايات المتحدة أصلًا إلى “عدو إيراني” قوي بما يكفي لتبقى دول الخليج بحاجة دائمة إلى الحماية الأميركية؟

وفي المقابل، هل تحتاج إيران إلى وجود أميركي في الخليج لتبرير خطابها عن “المواجهة” وتعزيز موقعها الإقليمي؟

إذا كان الجواب نعم، فنحن أمام معادلة شديدة الخطورة.

أميركا تحتاج إلى نفوذها… وإيران تحتاج إلى دورها… والخليج يدفع الثمن.

من يربح في النهاية؟

قد تنتهي الحرب باتفاق.

وقد يفتح مضيق هرمز.

وقد تعود ناقلات النفط إلى الحركة.

وقد ترفع العقوبات عن إيران جزئيًا.

وقد تحصل طهران على اعتراف عملي بدورها الإقليمي.

وقد تحتفظ واشنطن بقواعدها ونفوذها وتحالفاتها.

وفي هذه الحالة، لا تكون النتيجة بالضرورة انتصار إيران أو انتصار أميركا.

بل قد تكون إعادة توزيع للنفوذ على حساب دول المنطقة نفسها.

وهنا يجب أن يكون السؤال العربي واضحًا:

لماذا لا يكون الخليج صاحب القرار في مستقبله؟

لماذا يُترك أمنه رهينة للصراع الأميركي–الإيراني؟

ولماذا يدفع المواطن الخليجي ثمن صراع القوى الكبرى والإقليمية، فيما يجري التفاوض في النهاية على خرائط النفوذ وممرات الطاقة؟

الحرب لم تعد مجرد مواجهة بين واشنطن وطهران.

إنها اختبار حقيقي لنظام المنطقة كله.

والسؤال الذي سيبقى مفتوحًا ليس فقط:

هل تستطيع أميركا هزيمة إيران؟

بل:

هل تريد أميركا فعلًا هزيمة إيران؟

وإذا كانت تريد ذلك، فلماذا لا تفعل؟

وإذا كانت لا تريد ذلك، فما هو الهدف الحقيقي للحرب؟

أما السؤال الأخطر، فهو:

هل نحن أمام حرب لإسقاط إيران… أم حرب لإعادة رسم الخليج والمنطقة، بحيث تخرج أميركا وإيران باتفاق جديد، بينما يخرج الخليج بدور أقل مما كان له قبل الحرب؟

لا نملك بعد الإجابة.

لكن من حقنا أن نسأل.

بل ربما أصبح من واجبنا أن نسأل.

 

*كاتب المقال: إعلامي لبناني. 

الاخبار العاجلة