تزايدت المخاوف في ليبيا من تداعيات محتملة لمحاكمة أبو عجيلة مسعود المريمي، الضابط السابق بجهاز الأمن الخارجي الليبي، في قضية تفجير طائرة «بان آم 103» فوق بلدة لوكربي الاسكوتلندية عام 1988، بعد سماح قاضية اتحادية أميركية باستخدام إفادة منسوبة إليه تعود إلى عام 2012 كدليل أمام هيئة المحلفين.
ورفضت القاضية الأميركية دابني فريدريش طلب فريق الدفاع استبعاد الإفادة، التي يؤكد محامو المريمي أنها «كاذبة وانتُزعت منه تحت الإكراه»، في خطوة قد تؤثر في مسار المحاكمة المقرر أن تبدأ في واشنطن خلال أغسطس الجاري.
وبحسب ما أوردته هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، تتضمن الوثيقة إفادة خطية قال فيها المريمي، خلال استجوابه من جانب ضابط شرطة ليبي، إنه شارك في تجهيز القنبلة التي دمرت الطائرة بالتعاون مع عناصر في الاستخبارات الليبية.
وينفي المريمي صحة هذه الإفادة، مؤكداً أنه أدلى بالمعلومات الواردة فيها تحت الضغط والتهديد بإيذاء أفراد من أسرته، بينما يتمسك الادعاء الأميركي بها باعتبارها دليلاً مهماً على دوره المزعوم في العملية.
تحذيرات من تداعيات مالية على ليبيا
وحذر رئيس فريق الدفاع الليبي عن المريمي، محمد بن دردف، من أن عدم تحرك السلطات الليبية للتعامل مع التطورات القانونية والسياسية للقضية قد يفتح الباب أمام تداعيات أوسع على الدولة، بما في ذلك مطالبات مالية جديدة من جانب أهالي ضحايا «لوكربي».
وقال بن دردف إن القضية لا ينبغي أن تُعامل باعتبارها محاكمة جنائية لشخص واحد فقط، محذراً من احتمال انتقال تداعياتها إلى مسارات قضائية أخرى قد تفرض التزامات على الدولة الليبية أو تطال أصولاً وأرصدة ليبية في الولايات المتحدة.
ومن المقرر أن تبدأ محاكمة المريمي أمام محكمة اتحادية في واشنطن في وقت لاحق من الشهر الحالي، بعدما أصبح في حوزة السلطات الأميركية منذ عام 2022 إثر تسليمه من ليبيا. ويواجه اتهاماً بالتورط في تفجير طائرة «بان آم 103»، الذي أسفر عن مقتل 270 شخصاً، بينهم 259 كانوا على متن الطائرة و11 شخصاً على الأرض في لوكربي.
الإفادة.. محور المعركة بين الادعاء والدفاع
وتعود الإفادة التي يعتمد عليها الادعاء الأميركي إلى مقابلة أجريت مع المريمي في ليبيا عام 2012، عقب سقوط نظام معمر القذافي. وتقول السلطات الأميركية إنه أقر خلالها بالمشاركة في تصنيع القنبلة وتسليمها إلى عبد الباسط المقرحي ولمين فحيمة في مالطا.
في المقابل، يؤكد الدفاع أن الإفادة لا تعكس الحقيقة، وأن المريمي تعرض للضغط والتهديد أثناء الإدلاء بها، فيما يرى الكاتب الليبي مصطفى الفيتوري أن قبول المحكمة استخدام الوثيقة «ضيّق مساحة المناورة» أمام فريق الدفاع، وقد يؤثر في تقييم هيئة المحلفين للأدلة.
وحذر الفيتوري من أن إدانة المريمي، باعتباره ضابطاً سابقاً في جهاز الاستخبارات الليبية، قد تفتح نقاشاً يتجاوز مسؤوليته الفردية إلى طبيعة العلاقة بين أفعاله المزعومة وأجهزة الدولة الليبية في عهد القذافي، بما قد يعيد طرح مسائل المسؤولية القانونية والمالية للدولة.
هل تعود قضية التعويضات؟
وتثير التطورات مخاوف في ليبيا من إعادة فتح ملف التعويضات المرتبطة بحادثة لوكربي، رغم أن نظام القذافي سبق أن توصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة بشأن إنهاء القضية بعد دفع تعويضات لأسر الضحايا.
وتشير المعطيات إلى أن الاتفاق الليبي الأميركي نص على إغلاق المطالبات المتعلقة بأفعال ارتكبها أي من الطرفين قبل 30 يونيو 2006، كما أقر الكونغرس الأميركي لاحقاً تشريعاً لحماية الممتلكات الليبية والأفراد الليبيين المعنيين من إجراءات قضائية جديدة، فيما أصدر الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش مرسوماً بإغلاق القضايا المرتبطة بالملف.
ويرى الناشط الحقوقي هشام الحاراتي أن ملف التعويضات أُغلق بصورة نهائية منذ أكثر من 18 عاماً بعد صرف التعويضات المقررة للضحايا، معتبراً أن أي محاولة لإعادة فتحه أو المطالبة بتعويضات جديدة ستكون، من وجهة نظره، خروجاً عن الاتفاق الليبي الأميركي.
وبذلك، لا تقتصر أهمية محاكمة المريمي على تحديد مسؤوليته الجنائية الشخصية، وإنما قد تمتد تداعياتها إلى ملف شائك يتعلق بمسؤولية الدولة الليبية وعلاقاتها القانونية والمالية مع الولايات المتحدة، في قضية ظلت لعقود إحدى أكثر نقاط التوتر حساسية بين طرابلس والغرب.














