مخاطر الاستثمار في أفريقيا

منذ ساعة واحدةآخر تحديث :
علي الدكروري
علي الدكروري

 

بقلم: د. علي الدكروري

في العالم أموال تبحث عن الاستثمار، وفي أفريقيا مشروعات تبحث عن التمويل. فإذا كان المال موجودًا والمشروعات موجودة، فلماذا لا يلتقي الاثنان بالسرعة المطلوبة؟

في رأيي، الإجابة لا تكمن دائمًا في نقص رأس المال، وإنما في المخاطر التي يضعها المستثمر في حساباته قبل اتخاذ القرار.

وهنا ربما نحتاج إلى تغيير السؤال. فبدلًا من أن نسأل: من سيمول أفريقيا؟ علينا أن نسأل: كيف نجعل الاستثمار في أفريقيا أكثر قابلية للتمويل؟

*المشكلة ليست في العائد وحده*

أفريقيا تمتلك احتياجات وفرصًا استثمارية هائلة في الطرق والموانئ والطاقة والاتصالات والمياه والصناعة، وهي قطاعات قادرة بطبيعتها على توليد عوائد طويلة الأجل.

لكن المستثمر المؤسسي لا ينظر إلى العائد المتوقع فقط. فهو يحسب أيضًا مخاطر العملة، والاستقرار التشريعي، والتنفيذ، والائتمان، وطول فترة استرداد رأس المال.

ولهذا تصبح تكلفة التمويل في كثير من الأسواق الأفريقية أعلى من أسواق أخرى.

وتشير تقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن تكلفة رأس المال لمشروعات البنية الأساسية في أفريقيا تبلغ نحو 13% في المتوسط، مقابل نحو 10% في آسيا النامية و8% في دول المنظمة. وهذا الفارق ليس مجرد رقم مالي، بل تكلفة إضافية يتحملها المشروع والاقتصاد والمستهلك في النهاية.

*من تمويل المشروع إلى تأمين المستثمر*

هنا يظهر أحد أكثر التحولات أهمية في تمويل التنمية الأفريقية: استخدام الضمانات والتأمين لتقليل المخاطر وجذب رأس المال الخاص.

ومثال ذلك مؤسسة التأمين الأفريقية للتجارة والاستثمار ATIDI، التي تتجه إلى مضاعفة رأسمالها إلى نحو ملياري دولار، بهدف توسيع قدرتها على تقديم الضمانات والتأمين للاستثمارات والتجارة داخل القارة.

وقد ساهمت المؤسسة، وفق بياناتها، في دعم عشرات المليارات من الدولارات من التجارة والاستثمارات الأفريقية خلال مسيرتها.

*الفكرة هنا شديدة الأهمية.*

فالمؤسسة التنموية ليست مضطرة إلى دفع تكلفة المشروع بالكامل. يمكنها أن تتحمل أو تؤمّن جزءًا محددًا من المخاطر، فيصبح المشروع أكثر جاذبية للبنوك وصناديق الاستثمار والتقاعد وشركات التأمين.

وهنا يتحول المال العام أو التنموي من ممّول إلى محفز لرأس المال.

*الدولار الذي يحرك عدة دولارات*

تخيل مشروعًا للبنية الأساسية يحتاج إلى مليار دولار.

هناك طريقتان للتعامل معه. الأولى أن تبحث الحكومة أو المؤسسة التنموية عن المليار بالكامل.

أما الثانية فهي أن تستخدم جزءًا محدودًا من الأموال لتغطية بعض المخاطر وتوفير الضمانات اللازمة، ثم تسمح للبنوك والمستثمرين والصناديق الخاصة بتمويل الجزء الأكبر من المشروع.

*الفرق بين النموذجين كبير.*

في النموذج الأول نستهلك رأس المال المتاح، أما في الثاني فنستخدمه لتحريك رأس مال أكبر.

وهذا هو المفهوم الذي أراه أكثر ملاءمة لمستقبل التنمية الأفريقية.

*أفريقيا تحتاج إلى شريك… لا ممول فقط*

لدينا في أفريقيا صناديق تقاعد، وبنوك، وشركات تأمين، وصناديق سيادية، إلى جانب رؤوس أموال عالمية تبحث باستمرار عن أصول طويلة الأجل تحقق عائدًا مناسبًا.

لذلك فإن القضية ليست إقناع العالم بأن أفريقيا تحتاج إلى المال. الجميع يعرف ذلك.

المطلوب هو تقديم مشروعات جيدة الإعداد، بإيرادات واضحة، وأطر قانونية مستقرة، وشفافية في التنفيذ، وآليات عادلة لتوزيع المخاطر.

وعندما يتحقق ذلك، تتغير علاقة أفريقيا برأس المال العالمي.

فبدلًا من أن تكون القارة طالبة للتمويل، تصبح وجهة يتنافس المستثمرون على فرصها.

وهذا التحول مهم، لأن مستقبل التنمية الأفريقية لا يمكن أن يعتمد إلى الأبد على المساعدات أو الاقتراض الحكومي. بل يحتاج إلى نموذج يجعل القطاع الخاص شريكًا حقيقيًا في بناء الطرق والموانئ ومحطات الطاقة والمدن وشبكات الاتصالات.

خلاصة الدكروري

أفريقيا لا تحتاج أن تمول حكوماتها كل طريق ومحطة وميناء. ما تحتاجه هو أن تجعل المشروع قابلًا للتمويل، وأن تستخدم المال العام والمؤسسات التنموية بذكاء لتقليل المخاطر وجذب رأس المال الخاص. فالاقتصاد الذكي لا يسأل فقط: من سيدفع؟ بل يسأل أولًا: كيف نجعل المستثمر مستعدًا للدفع؟

*كاتب المقال: رائد أعمال ومستشار استراتيجي دولي في الاستثمار والتنمية الاقتصادية.

الاخبار العاجلة