هوس التوك شو.. حين يسبق الحضور الإعلامي حجم المعرفة

منذ 42 دقيقةآخر تحديث :
مصطفى زكريا
مصطفى زكريا

بقلم: مصطفى زكريا

ليست المشكلة في برامج التوك شو، فهي أحد أهم أدوات الحوار العام في أي مجتمع، وليست المشكلة في أن يكون لمقدم البرنامج رأي أو أسلوب أو شخصية مميزة .. وإنما تبدأ الأزمة عندما يتحول الظهور اليومي أمام الكاميرا إلى شعور غير حقيقي بالتفوق المعرفي، فيختلط دور المحاور بدور الخبير، ودور الإعلامي بدور صاحب القرار.
وللأسف، أصبح هذا النمط هو السمة الغالبة على معظم برامج التوك شو المصرية، حتى بات من الصعب على المشاهد أن يجد نموذجا ً يلتزم بالانضباط المهني، واحترام التخصص، وإتاحة الفرصة الكاملة للضيف ليعرض علمه وخبرته ورؤيته. وأصبح الأداء المهني الرصين هو الاستثناء، لا القاعدة.
إن أخطر ما يصيب الإعلام ليس ضعف المعلومة، بل تضخم الأنا … فحين يظن المذيع أن ظهوره اليومي أمام الكاميرا يجعله أعلم من المتخصص، وأقدر من الخبير، وأقرب إلى الحقيقة من صاحبها، فإنه لا يسيء إلى ضيفه فحسب، بل يسيء إلى قيمة الإعلام نفسها. فالكاميرا لا تمنح علما ً، والميكروفون لا يصنع خبرة، وطول زمن البث لا يحول الرأي إلى حقيقة.
ولذلك أصبحنا نشاهد، في كثير من الحلقات، مقدم البرنامج يقاطع ضيفه باستمرار، ويستبق إجاباته، ويشرح له تخصصه، بل ويبادره بالموافقة أو التصحيح وكأنه يجلس على مقعد الأستاذ الذي يختبر تلميذه، بينما الحقيقة أن المشاهد فتح شاشة التلفاز ليستمع إلى الضيف المتخصص، لا إلى المذيع الذي استضافه.
وفي أحيان أخرى، يتحدث بعض مقدمي البرامج وكأنهم يديرون مؤسسات الدولة، أو يرسمون السياسات العامة، أو يمتلكون الكلمة الفصل في الاقتصاد والسياسة والطب والهندسة والقانون والعلاقات الدولية، في مشهد يعكس غيابا ً واضحا ً لثقافة احترام حدود التخصص، وهي إحدى أهم قواعد الإعلام المهني في العالم.
ولا يمكن اختزال المسؤولية في مقدم البرنامج وحده ؛ فحين تتحول هذه الممارسات إلى ظاهرة شبه عامة، فإن السؤال يجب أن يتجه أيضا ً إلى المشرفين على هذه البرامج، وإلى القيادات الإعلامية، وإلى الجهات المسؤولة عن رسم السياسات الإعلامية.
فمن الذي يضع معايير الأداء؟ ومن الذي يراجع المحتوى؟ ومن الذي يحاسب على تراجع المهنية؟
وهل أصبحت نسب المشاهدة أو الضجيج الإعلامي بديلا ً عن القيمة والثقافة والانضباط؟

إن الإعلام الحقيقي لا يقاس بعدد الكلمات التي يقولها المذيع، وإنما بقدر المعرفة التي ينجح في نقلها إلى الجمهور. والمذيع الناجح ليس أكثر المتحدثين، بل أكثرهم قدرة على إدارة الحوار، واستخراج أفضل ما لدى ضيفه، واحترام عقل المشاهد .. فكل دقيقة يستحوذ فيها المذيع على الحديث هي دقيقة تُنتزع من حق الضيف، ومن حق المشاهد في الاستفادة من صاحب الاختصاص.
ولذلك لم يعد الأمر مجرد ملاحظات على أسلوب بعض البرامج، بل أصبح قضية تستحق مراجعة جادة؛ لأن الإعلام شريك في تشكيل الوعي العام، وأي خلل مستمر في أدائه ينعكس بالضرورة على ثقافة المجتمع وطريقة تلقيه للمعلومات.

ومن هنا، فإنني أرى أن الوقت قد حان لكي تتحرك الأحزاب المصرية، ممثلة في هيئاتها البرلمانية والسادة أعضاء مجلس النواب، مستخدمة أدواتها الرقابية من طلبات الإحاطة والاستجوابات، لمساءلة الحكومة عن السياسات التي تحكم إدارة الإعلام الرسمي، والمطالبة بإعادة النظر في معايير اختيار مقدمي البرامج، بحيث يكون المعيار هو الكفاءة المهنية، والثقافة الواسعة، واحترام التخصص، والقدرة على إدارة الحوار، لا مجرد الشهرة أو كثرة الظهور.
فالدول لا تبني إعلامها بمن يجيد الحديث عن كل شيء، وإنما بمن يعرف متى يتحدث، ومتى ينصت، وكيف يمنح الكلمة لمن هو أعلم منه.

الاخبار العاجلة